الأربعاء، 31 ديسمبر 2025

بين الحزن والفرح

 

بين الحزن والفرح

"جغرافيا القلب البشري"

 




كيف ترسم اللحظاتُ العابرةُ خريطةً لأعماقنا، وتكشف أن السعادة ليست غياب الألم، بل لغة أخرى للحياة؟

 

تأتي أحيانًا كهدية غير معلنة: رائحة المطر على تراب ظل شهورًا جافًا. ضحكة طفل تندلق في زحام شارع مكتظ، فتجمد اللحظة حولها. دفء كوب بين كفّين في ليلة باردة. في تلك الثواني القصيرة، يختفي ثقل الماضي وقلق المستقبل. تسكنُ النفسُ في حاضرٍ نقيٍّ لا يشوبه شيء. هذا هو الفرح في أبسط أشكاله: لحظة اكتمال. ليست حالةً تستمّر، بل ومضةٌ من الوجود الخالص. لكن، ماذا تعني هذه الومضة؟ ولماذا، رغم عُسرها، تمنحنا إحساسًا بأننا نعيش؟

 

يحاول العلم أن يمسك بهذا الشعور الغامض. يخبرنا أن تلك اللحظة هي عاصفة كيميائية محسوبة في الدماغ: دوبامين، سيروتونين، أوكسايتوسين. يشرح آلية المكافأة، والتكيّف العصبي الذي يجعلنا نعود للبحث عن مصادر تلك المشاعر. التفسير العلمي صحيحٌ، لكنه يشبه وصف ألوان الغروب بترددات الضوء. إنه يخبرنا "كيف" تحدث، لكنه لا يجيب تمامًا على سؤال "لماذا" نشعر بأنها أكثر من مجرّد تفاعل كيميائي. لماذا تحمل هذه الانفجارات الصغيرة معنى؟ ربما لأن العلم يلتقط الآلية، لكن المعنى يولد في مكان أبعد: في التقاطع بين الجسد والروح، بين الكيمياء والسرد الذي نحمله عن أنفسنا.

 

ونحن، في هذه الرحلة، لا نختار جغرافية واحدة. القلب البشري قارةٌ ذات مناخين: الحزن والفرح. ولا يمكن أن يعيش في أحدهما إلى الأبد. الحزن الطويل يميل إلى خلق عمقٍ ما، كوادٍ مظلم تسمع فيه أصداء نفسك بكل وضوح قاسٍ. أما الفرح فيشبه قممًا مُشمسة، ترى منها اتساع العالم، لكنك قد تفقد سماع صوتك الداخلي في ضجيج النور. كلاهما ضروري. الحياة في قمةٍ دائمة تجعل المرء سطحيًّا، والعيش في وادٍ دائم يغرق المرء في ذاته. القلب ينتقل بينهما، شتاءً وصيفًا، ليحافظ على توازنه الغريب. الفرح هو الموسم الذي ينمو فيه الأمل، والحزن هو التربة التي تُدفن فيها البذور كي تنبت.

 

ومن هنا تأتي الرحمة الخفية في طبيعة الفرح: أنه يأتي غالبًا كاستراحة. في خضم حزن طويل، أو قلقٍ لا ينتهي، تأتي تلك اللحظة العابرة كنسمة هواء في غرفة مغلقة. إنها لا تحل المشكلة، لكنها تذكرك بأن هناك عالمًا خارج جدران معاناتك. إنها الهدنة المؤقتة التي تمنحك القوة لمواصلة القتال. الفرح هو تلك اللحظة التي تضع فيها السلاح وتلتقط أنفاسك: لا لأن الحرب انتهت، بل لأنك تذكرت للحظةٍ ما الذي تحارب من أجله. إنه تعويض إلهي عن قسوة الوعي، عن ثمن أن تكون كائنًا يفكر ويشعر ويتألم.

 

وتأثير هذه الومضات لا ينتهي عند لحظة زمنية. إنها تشبه مطرًا خفيفًا على نباتٍ ذابل. لا ينمو فورًا، لكن الماء يغسل الغبار عن أوراقه، ويدخل إلى جذوره. هكذا تفعل لحظة الفرح: تغسل الروح من غبار الرتابة والإحباط المتكرر. تعيد ترتيب الأفكار من غير أن تلمسها مباشرة. فجأةً، بعد الضحكة، أو بعد التأمل في منظرٍ جميل، تبدو المشكلة القديمة أقل حِدّة، أو يظهر الحل من حيث لا تتوقع. الفرح لا يحل الألغاز المنطقية، لكنه يغير حالة العقل الذي يحاول حلها. إنه يزيح الغشاوة العاطفية ليرى العقلُ بوضوحٍ أكثر.

 

وفي النهاية، هذه اللحظات هي بوصلة خفية. لا تشير إلى الشمال المغناطيسي، بل إلى "شمالنا" الشخصي: إلى ما يمنحنا معنى. عندما تختبر فرحًا حقيقيًا، اسأل: ما الذي كنتُ أفعله؟ مع من كنتُ؟ أيّ جانب من شخصيتي كان يعمل؟ الإجابة تكشف عن قِيَمك المخفية. الفرح هو مؤشر على أنك تقترب من جوهرك، من مهمتك الخاصة في الحياة. أما الحزن فيشير غالبًا إلى خسارة ذلك الجوهر، أو إلى صراع معه.

 

لذا، لا تسأل: كيف أحقق السعادة الدائمة؟ هذا السؤال يشبه طلب شمس لا تغيب. بل اسأل: كيف أكون حاضرًا تمامًا حين تأتي الومضات؟ وكيف أحمل معي ذاكرتها ونقاءها حين أعود إلى السهول الرمادية للحياة اليومية؟ جغرافية القلب ليست خريطةً للهروب من الحزن، بل هي رسمٌ للمسافة الضرورية بين الوادي والقمة. المسافة التي، حين نسيرها بوعي، تمنح الرحلة كل معناها.

 

 

جهاد غريب

ديسمبر 2025

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الهندسة الرمزية: ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة

  الهندسة الرمزية   "ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة"   في صمت المتاحف الكبرى، خلف زجاج مقاوم للرصاص وتحت إضا...