عندما
تتعثر الكلمات
"في
معنى سوء الفهم والجدل"
كيف
تنشأ الهُوَّة بين ما نعنيه وما يسمعه الآخرون، ولماذا يتحول الاختلاف البسيط إلى
صراع أحيانًا؟
تخيل
أنك أرسلت رسالة نصية قصيرة لصديق: "لا بأس، افعل ما تراه مناسبًا". ثم
تنتظر ردًا، ولا يأتي. تمر الساعات، وتبدأ في قراءة الصمت. أهو غاضب؟ أهو مستاء؟
ربما فهم من رسالتك البرود، وأنك لا تكترث. بينما كل ما في الأمر أنك كنت مشغولًا،
وكتبت أول ما خطر على بالك. تلك الفجوة الضيقة بين ما قلته وما فهمه، هي أرض سوء
الفهم الخصبة. تلك اللحظة الصغيرة تكشف كيف نبني عوالم كاملة من تفسيرات قد تكون
واهية كبيت العنكبوت.
ليس
سوء الفهم مجرد نقص في المعلومات. إنه تصادم خفي بين عوالم داخلية لا تلتقي. كل
منا يحمل مكتبة خاصة من التجارب، والثقافة، والمخاوف، والتوقعات. عندما نتكلم،
نترجم أفكارنا إلى رموز مشتركة نسميها كلمات. لكن المستمع يستقبل تلك الرموز ويعيد
تشكيلها عبر مرشح مكتبته الداخلية. قد تكون كلمة "الحرية" لدى شخص ما
تعني الانطلاق المطلق، ولآخر تعني المسؤولية. قد تعني "الحب" التضحية
لأحدهم، وتعني لآخر الشراكة المتوازنة. وهكذا يولد سوء الفهم حتى حين نعتقد أننا
نقلنا الصورة بأكملها.
ولا
يتحول كل سوء فهم إلى جدل. يبقى الكثير منه كتمتمة داخلية، أو شكًا لا يطفو على
السطح. لكن الجدل يشتد عندما يختلط سوء الفهم بشيء من الكبرياء، أو الخوف على
الهوية، أو الرغبة في الانتصار. حينها يتحول الحوار من محاولة للتفاهم إلى معركة
على من هو الأصوب، من هو الأذكى، من له الحق في الفراغ بين الكلمات. في تلك
اللحظة، لم نعد نبحث عن الفهم، بل عن تأكيد أن فهمنا الأولي كان صحيحًا. يصبح
الجدل وسيلة للدفاع عن الذات، لا جسرًا نحو الآخر.
وهنا
يبرز سؤال جوهري: هل كل خلاف نعيشه ضروري؟ هناك اختلاف يولد من رغبة أصيلة في
توسيع الدائرة، في رؤية ما لم نرَ. كمن يجادل ليس لإثبات خطأ الآخر، بل ليكشف عن
زاوية غائبة في الصورة. هذا الاختلاف أشبه بمن يدور حول تمثال ليراه من كل الجهات.
وفي المقابل، هناك اختلاف عبثي، قائم على الرفض لمجرد الرفض، أو على رغبة في
الاستمرار في الجدال كطريقة لإثبات الوجود. هذا النوع لا يبني جسورًا، بل يحفر
خنادق أعمق بين العقول والقلوب.
ولعل
أخطر أنواع سوء الفهم لا يكون مع الآخر، بل مع النفس. كم مرة تصرفت بطريقة لا تفهم
دوافعها الحقيقية؟ قد ترفض فكرة ما ليس لفسادها، بل لأنها تهدد صورة الذات التي
بنيتها عن نفسك. قد تتشبث برأي قديم ليس لقوته، بل لأن التخلي عنه يشعرك بأنك تخون
ماضيًا ارتبطت به. هذا الصراع الداخلي، حين لا نفهم لماذا نريد ما نريد، أو لماذا
نرفض ما نرفض، يجعلنا أكثر عُرضة لسوء فهم الآخر. فنحن ننقل ارتباكنا الداخلي إلى
حواراتنا، ونحيلها إلى ساحات لمعارك لم ننتهِ منها مع أنفسنا.
إذا
كان سوء الفهم بهذه التعقيد، فكيف نتحرر منه؟ الخطوة الأولى هي أن نعترف بإمكانية
وقوعنا فيه. أن نبدأ أي حوار بسؤال داخلي: "ماذا لو كنت أنا من لم
يفهم؟". هذا الاستعداد لتغيير الرأي ليس ضعفًا، بل قوة فكرية نادرة. العقل
المرن لا يخشى التعديل، لأنه يدرك أن الفهم عملية تراكمية، وليس لحظة إلهام ثابتة.
ما يمنعنا أحيانًا هو ذلك الخوف من أن نبدو متناقضين، أو أن نعترف بأن زاوية نظرنا
كانت جزئية. لكن الحكمة تقول: من تغير رأيه تغير قدره.
وأهم
أدواتنا في هذا المسار هو فن الإصغاء الحقيقي. ليس ذلك الذي ننتظر فيه دورنا في
الكلام، بل ذلك الذي ننصت فيه لندرك الإطار الذي يتكلم منه الآخر. أن نصغي للهمس
وراء الكلمات: للخوف، للأمل، للتجربة التي تشكلت منها هذه الفكرة. الإصغاء هنا ليس
سماعًا سلبيًا، بل هو نشاط تفكيكي بنّاء. هو أن تبحث عن الجسر الذي يمكن أن يربط
بين عالمك وعالم المتحدث، لا أن تبحث عن الثغرة التي تثبت تفوق عالمك.
في
النهاية، ليست العلاقات الناضجة هي التي تخلو من سوء الفهم، بل هي التي تطور مناعة
ضد تحوله إلى جدار صلب. العلاقة القوية هي التي تختبر سوء الفهم وتتعافى منه،
لتصبح أكثر عمقًا. كل مرة نعبر فيها من ضفة سوء الفهم إلى ضفة التفاهم، نبنى ثقة
جديدة: ثقة في أننا، رغم كل اختلافاتنا، نستطيع أن نجد مساحة مشتركة للكلمات. أن
الهدف ليس انتزاع اعتراف من الآخر بأنه كان مخطئًا، بل توسيع المساحة التي نفهم
فيها بعضنا، وربما نفهم فيها أنفسنا أكثر.
لعل
الحياة ليست سلسلة من التفاهمات التامة، بل رحلة مستمرة في فك شفرات بعضنا البعض.
سوء الفهم ليس عيبًا في التواصل، بل هو طبيعته البشرية. التحدي هو أن نتعلم كيف
نسايره دون أن نسمح له بتفكيك جسورنا. في المرة القادمة التي تتعثر فيها الكلمات
بينك وبين آخر، تذكر أن تلك الثغرة ليست فراغًا، بل هي مساحة ممكنة لبداية فهم
جديد. الفهم لا يبدأ
بالكلمات الرنانة، بل بالسؤال الهادئ: "أخبرني أكثر، كي أفهم".
جهاد غريب
ديسمبر 2025

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق