الأربعاء، 31 ديسمبر 2025

استعارة الكون: الإنسان بين التسخير والقيادة

 

استعارة الكون

"الإنسان بين التسخير والقيادة"

 




كيف تكشف علاقتنا بالعالم الأوسع عن طبيعة الأمانة التي نحملها، والقيادة الحقيقية التي يجب أن نتبناها؟

 

انظر إلى السماء في ليلة صافية. انظر إلى ذلك الامتداد الهائل من النجوم والمجرات، الذي لا يدرك العقل حدوده. ثم انظر إلى قدميك على الأرض. في هذه اللحظة من التأمل، يظهر التناقض الأول: كائن صغير، محدود الأجل، مكبل بجسد هش، يقف في مواجهة كون لا يعرف الرحمة ولا يعترف بالضآلة. لكن هذا الكائن الصغير هو الوحيد بين كل هذا المدى الذي يستطيع أن يفهم – ولو جزءًا – جمال هذا المشهد، ووحدته التي تطرح السؤال. هذا هو معنى التكريم الأول: الوعي. أن تكون حاملًا لمصباح الوعي في ظلمة الكون الصامتة، هذه هي الأمانة الكبرى. ليست أمانة مادية يحاسب عليها، بل أمانة وجودية. أنت الحارس الوحيد للعالم الذي يظهر في عقلك.

 

ومن هذه الكرامة المتجذرة في الوعي، يأتي التفويض: التسخير. السماء والأرض والجبال أبين أن يحملنها، لكن هذا الكائن الهش قبل. لم يكن القبول قوة جسدية، بل كان إقرارًا بالقدرة على الفهم والتحويل. أن تسخَّر لك الأرض ليس أن تمتلكها، بل أن تكون المترجم الأمين لأسرارها. أن تأخذ حفنة تراب فتصنع منها طينًا، ثم قرميدًا، ثم بيتًا. أن ترى النهر فيعبر في خيالك جسرًا. أن تنظر إلى بذرة فتقرأ في مستقبلها شجرة. العمارة هنا ليست بناءً بالحجر فقط، بل هي بناء بالمعنى. كل جيل يرث الأرض لا كممتلك، بل كمشروع غير مكتمل. يرث الأسئلة نفسها: كيف نعيش هنا؟ كيف نترك هذا المكان أفضل؟ الميراث ليس امتيازًا، بل استمرارية للمحبة التي وضعت فينا عندما قبلنا الحمل.

 

وبطبيعة هذا المشروع المشترك، تبرز الأدوار. لماذا يبرز قائد ويختار آخر أن يكون تابعًا؟ الأمر لا يتعلق بالتفوق الجوهري، بل بالتنوع في مواهب الحمل. البعض تمنحهم أنفسهم القدرة على رؤية الصورة الكاملة، فينجذبون تلقائيًا إلى موقع التخطيط والتوجيه. وآخرون، بقدر لا يقل نبلًا، يجدون اكتمالهم في الإتقان العميق للجزء الذي بين أيديهم. إنه تشابك متعمد، كي لا تتحول القيادة إلى غرور، ولا التبعية إلى ذل. القائد الحقيقي هو من يدرك أنه لا يقود إلا لأن هناك من اختار أن يمشي خلف رؤيته، وأن هذا الاختيار هدية وثقة، وليست حكمًا بقدرته.

 

وهنا ينكشف الوهم الأكبر: أن القيادة سلطة تصدر أوامر. ليست القيادة سوى فهم أعظم للفروق الخفية بين العقول والنفوس. هي القدرة على رؤية النار الكامنة في أحدهم، والخوف المدفون في آخر، والصبر المتأصل في ثالث. القائد هو ذلك الذي يستمع إلى الموسيقى الداخلية لكل فرد، ولا يحاول أن يعلم الجميع العزف على الإيقاع نفسه. قوته ليست في علو صوته، بل في دقة سمعه. ليس في قدرته على الإلزام، بل في حكمته على الإلهام. إنه لا يبني جيشًا من النسخ المتماثلة، بل يشكل جوقة من الأصوات المتناغمة المختلفة.

 

ولذلك، فإن فن التوجيه هو الذروة العملية لهذه الحكمة. مخاطبة كل عقل بلغته لا يعني التملق أو التلاعب، بل يعني الاحترام العميق لطريقة عمل ذلك الكون المصغر داخل الجمجمة. للشاعر تقدم له الفكرة بصورة، وللعالم تقدمها بمعادلة، وللحالم تلفها بقصة. هذا ليس تبسيطًا، بل هو تكريم لخصوصية كل طريق إلى الحقيقة. عندما يفشل الخطاب، لا تكون المشكلة في السامع، بل في المتكلم الذي ظن أن هناك لغة واحدة للفهم.

 

في النهاية، تذوب فكرة القيادة والتبعية في بوتقة العمل الجماعي الناضج. لا يعود هناك قائد بالمعنى التقليدي، بل تظهر "قيادة الموقف"؛ حيث يقدم كل إنسان قيادته في حقل تخصصه. وتلك هي الثمرة الحقيقية لفهم مكانتنا: جماعة بشرية تتعامل مع الأرض – بمشاريعها وتحدياتها – كما يتعامل قائد الحكمة مع فريقه. كل فرد مُكرَّم، كل دور مُسخَّر، كل جهد موجه نحو العمارة. يصبح المشروع المشترك هو القائد الحقيقي، والإرث الذي نبنيه معًا هو الشاهد الوحيد على أننا فهمنا معنى الأمانة. في ذلك اليوم، لن ننظر إلى النجوم كغرباء، بل كشهود على كون صغير اسمه الأرض، فهم سره الصغير كائن اسمه الإنسان، فحمله بأمانة، وقاده بحكمة.

 

 

جهاد غريب

ديسمبر 2025

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الهندسة الرمزية: ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة

  الهندسة الرمزية   "ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة"   في صمت المتاحف الكبرى، خلف زجاج مقاوم للرصاص وتحت إضا...