الجزر
الطوعية
"جغرافيا
الوحدة بين الاختيار والاضطرار"
ماذا
نجد عندما نهبط على شواطئ أنفسنا باختيارنا؟ ومتى يتحول هذا الشاطئ من ملاذ إلى
منفى؟
هناك
لحظات تكون فيها وحيدًا في قلب الزحام. تجلس في زاوية مقهى، تحيط بك أصوات أكواب
تتصادم وضحكات متقاطعة وموسيقى خافتة، لكنك تشكل فقاعة صامتة حولك. تنظر إلى الناس
وهم يتحركون كأنهم في فيلم صامت، وأنت المشاهد الوحيد. هذه اللحظة لا هي حزن مطلق
ولا فرح مطلق، إنها مجرد مسافة. مسافة بينك وبين العالم، تسمح لك برؤيته،
وبرؤية نفسك فيه، بوضوح غريب. هذه المسافة هي جوهر الوحدة الأولي: ليست شعورًا
سلبيًا بالضرورة، بل هي حالة مكانية نفسية يمكن أن نقع فيها اضطرارًا، أو
ننطلق إليها طوعًا كي نلتقط أنفاسنا من صخب الحياة.
والفارق
بين هذين النوعين – الوحدة المُفروضة والوحدة المختارة – هو ما يرسم جغرافيا
التجربة الداخلية. الوحدة المُفروضة تشبه الغرق، تشعر فيها بأن الأمواج تغلق
عليك من كل اتجاه، وأن الصوت يضيع في الفراغ. أما الوحدة المختارة فهي الجزيرة
الطوعية. أنت الذي تبحر بمركبتك بعيدًا عن البر الرئيسي المسمى
"الجماعة" أو "الروتين" أو "توقعات الآخرين"، وتقرر
أن ترسو على شاطئ نفسك لبعض الوقت. الدافع هنا ليس الهروب من الناس، بل اللقاء
بشخص مهمّش: ذاتك.
وعندما
تهبط على هذه الجزيرة، يبدأ اكتشاف الذات. في ضجيج العلاقات والمسؤوليات،
يصبح صوتنا الداخلي همسًا لا يُسمع. الوحدة تزيد من حجم هذا الهمس. تبدأ في سماع
أسئلة كنت تؤجلها: "من أنا بعيدًا عن أدواري؟ ماذا أريد حقًا؟ ما الذي يعطيني
معنى؟". بدون هذا الصمت الخارجي، لا يمكن أن نسمع حوارنا الداخلي. الوحدة هنا
ليست فراغًا، بل هي الوعاء الذي يمتلئ بالذات. إنها المرآة الوحيدة التي لا
تعكس لنا إلا صورتنا الحقيقية، من دون مقارنة بأحد.
ولكي
تتحول هذه الجزيرة إلى ملاذ علاجي، يجب أن تكون زيارة مؤقتة بغرض محدد:
الراحة، والتأمل، وإعادة الشحن. تكون علاجًا عندما تشعر أنك تخرج منها ممتلئًا،
لا فارغًا. عندما تمنحك الهدوء لا القلق، والوضوح لا التشوش، والقوة لا الإعياء.
العلاج يكون عندما تستخدم الوحدة كحمام سباحة تعود منه منتعشًا للاندماج في البحر
الكبير للحياة، لا كبئر تتردى في قاعه.
وأحد
أغنى ثمار هذه الجزيرة العلاجية هو الإبداع. تقريبًا كل عمل إبداعي أصيل –
كتابة، لوحة، فكرة فلسفية، لحن موسيقي – وُلد في حاضنة الوحدة. لأن الإبداع هو
محادثة عميقة جدًا مع الذات، لا يمكن إجراؤها في سوق عامة. الوحدة تخلق المساحة
التي لا وجود فيها لرقيب أو لمقارنة، حيث يمكن للفكرة الغريبة والهشة أن تظهر
وتنمو دون خوف من السخرية. الإبداع ابن شرعي للشجاعة التي تأتي من معرفة الذات،
وتلك المعرفة تزدهر في صحراء الهدوء.
لكن
الخط الفاصل رفيع. تتحول الجزيرة الطوعية إلى سجن منعزل عندما يتحول
الاختيار إلى عادة هروب، وعندما تصبح المسافة عن الآخرين خوفًا منهم، لا حاجة
لذاتك. علامات الوحدة المؤذية: الشعور المستمر بالاغتراب حتى مع الناس، اختفاء
الرغبة في مشاركة ما اكتشفته في عزلتك، تحول التأمل إلى اجترار سلبي للأفكار. هنا
لم تعد الوحدة مساحة للنمو، بل أصبحت قيدًا يمنع النمو. لم تعد تذهب إلى الجزيرة
لتعود، بل تعيش عليها خوفًا من الغرق في بحر العلاقات.
لذا،
تعلم فن الإبحار إلى جزرك الطوعية. زُرها بانتظام، كحاجّة روحية. استكشف شواطئها،
استمع إلى أمواج أفكارك، وازرع فيها بذور إبداعك. لكن احتفظ دائمًا بمركبتك جاهزة،
والخريطة التي تريك طريق العودة إلى البر الرئيسي للإنسانية – إلى الحب، إلى
الصداقة، إلى المجتمع. لأن قيمة الجزيرة تُقاس بما تجلبه منها عند عودتك: سلامًا،
فهمًا، إبداعًا، حبًا أكثر نضجًا لنفسك وللآخرين. الوحدة الحكيمة ليست نهاية
الرحلة، بل محطة استراحة فيها، نلتقط فيها أنفاسنا ونتأكد من اتجاهنا، قبل أن
نواصل الإبحار في محيط العلاقات الواسع والجميل.
جهاد غريب
ديسمبر 2025

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق