الأربعاء، 31 ديسمبر 2025

أبناء الزمن: كيف ينحت العصر عقول سكانه؟

 

أبناء الزمن

"كيف ينحت العصر عقول سكانه؟"

 


هل نفكّر بأفكارنا حقًا، أم أننا نترجم روح عصرنا بلغة وعينا الشخصي؟ وكيف نحافظ على ذاتنا في تيار التحوّلات الجارفة؟

 

تخيل إنسانًا وُلد في عالم بلا كهرباء، حيث الليل حاجز مادي، والمسافات تُقاس بأيام المشي، والمعلومات تُختزن في الذاكرة والكتب النادرة. ثم تخيل إنسانًا وُلد في عالم النبضات الضوئية، حيث الليل نهارٌ اصطناعي، والمسافات تُختزل بنقرة، والمعرفة كلها على بعد بحثٍ واحد. هذان الكائنان لا يعيشان على الكوكب نفسه فحسب، بل يعيشان في كونين ذهنيّين مختلفين. طريقة إدراكهما للزمان، للمكان، للآخر، وحتى لأنفسهما، لا يمكن أن تكون واحدة. هذا هو القانون الأول: نحن أبناء زماننا أكثر مما نعترف. العصر ليس خلفيةً نعيش أمامها، بل هو المادة الخام التي يتشكّل منها عقلنا الجمعي، والقالب الذي تأخذ فيه أفكارنا الأولية شكلها.

 

ويأتي تأثير العصر من أبسط مستوياته: من العالم المادي الذي نراه. انقراض كائن، اختفاء غابة، تحوّل نهر إلى مجرى أنابيب، ليست مجرد تغييرات بيئية. إنها محوٌ لرموز كانت حاضرة في الخيال البشري لقرون. حين يختفي طائر كان مصدر أسطورة، أو ينقرض حيوان كان يرد في الأمثال، فإننا لا نخسر نوعًا بيولوجيًا فحسب، بل نخسر لغة مشتركة بين الأجيال، نقطة مرجعية في خريطة الوعي. البيئة الطبيعية كانت دائمًا مُعلّمًا صامتًا للإنسان. انحسارها يعني أن العقل البشري أصبح يتلقى تعليمه من بيئة اصطناعية من صنعه، وهو ما يغيّر جذريًا إحساسه بالانتماء والمسؤولية والاتساع.

 

في مواجهة هذا التسارع الهائل، يبدأ التكيّف. العقل البشري مرن بشكل مذهل، لكن مرونته لها ثمن. إنه يطوّر "اقتصادًا ذهنيًا" لإدارة المعلومات: الانتقائية، التبسيط، التكيف السريع مع الأدوات الجديدة على حساب التعمق في القديمة. يصبح التركيز قصير المدى، والصبر على التعقيد نادرًا. نحن نتكيّف لننجو ذهنيًا في الفيضان، لكننا قد نفقد، دون أن ندري، القدرة على السباحة في الأعماق الهادئة. التكيّف ضرورة للعيش، لكن الوعي بهذا الثمن ضروري للإبقاء على إنسانيتنا كاملة.

 

ومن قلب هذا التيار العام، يبرز استثناء مدهش: روّاد كل زمان. أولئك الذين لا يكتفون بأن يكونوا أبناء عصرهم، بل يصبحون آباءً لوعي جديد. إنهم يستخدمون أدوات زمانهم، لكنهم ينظرون من خلالها إلى ما هو أبعد من أفقها المألوف. المتنبي استخدم لغة القرن الرابع الهجري لقول ما يخصّ البشر في كل قرن. وفلاسفة التنوير استخدموا مطابع عصرهم لنشر أفكار حطّمت أسس عصرهم نفسه. هؤلاء لا ينقادون لنقش العصر على عقولهم، بل ينقشون هم، بعزم، شيئًا جديدًا على جبين الزمن. وجودهم دليل على أن العلاقة بين الإنسان وزمانه حوار وليست إذعانًا.

 

وبالمقابل، يولد الحنين. هذا الشعور العميق ليس مجرد ذاكرة جميلة، بل هو غالبًا مقاومة وجدانية للانزياح عن "مركز" عرفناه. الحنين إلى الماضي هو بحث عن الاستمرارية في عالم يفرض الانقطاع. قد يكون تعبيرًا عن فقدان بيئة طبيعية، أو نظام قيمي، أو إيقاع حياة كان يشعُر المرء فيه بالتماسك. الحنين إذن هو الجانب العاطفي من مقاومة التماهي الكامل مع الحاضر. وهو، رغم ما قد يحمله من رؤية مثالية للماضي، ضروري كي لا ننساق تمامًا مع كل ما يأتي به الجديد.

 

وهذا يقودنا إلى السؤال الأخير، والأكثر جوهرية: ما الذي يبقى؟ وسط هذا النحت المتواصل للعصور، ما هو الصخر الأصم الذي لا يتأثر؟ يبدو أن الإجابة تكمن في الأسئلة ذاتها، وليس في الأجوبة. أسئلة الحب، الموت، الخير، الشر، المعنى، الجمال. هذه هي الثوابت. الحضارات تقدم إجابات مختلفة، بلغات مختلفة، مستعينة بصور من عوالمها المختلفة. لكن السؤال يبقى هو نفسه. العصر ينحت شكل الفكر، ولكن الرغبة في الفهم، والخوف من الفناء، والتوق إلى الاتصال، تبقى جوهر ذلك الجوهر الإنساني الذي لا ينحت.

 

لذا، حين ننظر إلى أنفسنا كأبناء للزمن، لا يجب أن نشعر بالعبودية، بل بالمسؤولية. معرفة أن أفكارنا تحمل بصمة عصرنا تدفعنا إلى التواضع الفكري، وإلى السعي لرؤية ما هو أبعد من حدود نقش زماننا الخاص. الهدف ليس الهروب من العصر، بل أن نعيش فيه كحفّارين واعين، نعرف أن بعض ما ننقشه سيزول مع تغير النمط، لكننا نأمل أن نلمس، ولو لمرة، ذلك الصخر الأصلي المشترك، الذي يربط كل أبناء الأزمنة في سلالة واحدة اسمها الإنسان.

 

 

جهاد غريب

ديسمبر 2025

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الهندسة الرمزية: ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة

  الهندسة الرمزية   "ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة"   في صمت المتاحف الكبرى، خلف زجاج مقاوم للرصاص وتحت إضا...