الاثنين، 22 ديسمبر 2025

حين نختار أن نضيء قبل أن يُضاء لنا

 

حين نختار أن نضيء قبل أن يُضاء لنا

 

"بيان في سيادة القيم حين لا تنتظر المقابل"

 


حين تتحول القيم إلى ردود أفعال، يخفت معناها العميق، وتغدو أقرب إلى أدوات احتراز منها إلى بوصلة حياة. في واجهة الخطاب اليومي تتردد عبارات تبدو حكيمة في ظاهرها: أن نحب من يحبنا، وأن نعطي من يعطينا. غير أن التأمل الطويل يكشف مفارقة دقيقة؛ فما نظنه حماية للذات قد يتحول، على مهل، إلى قيدٍ يجعل أفعالنا مربوطة بإشارات الآخرين، لا صادرة عن سيادة داخلية اختارت أخلاقها بوعي. وهنا يبدأ الانزلاق الخفي: أن نعيش ردًّا على العالم، لا حضورًا فيه.

 

في فلسفة الوجود، يظل الفعل – المبادرة – هو الأصل، وما سواه ليس إلا صدى يتبع خطانا. فالحياة، في عمقها، لا تُدار بمنطق الانتظار ولا تُبنى على ارتداد الأصوات، وإنما تنفتح على الفعل الأول، على الكلمة التي تُقال لأنها صادقة في ذاتها قبل أن تُكافأ. وحين ينتظر الجميع البداية من الجميع، يتمدد الانتظار حتى يبتلع المعنى، ويبهت الحضور الإنساني في زحام الترقب. المبادرة ليست تهورًا ولا غفلة، إنها إعلان موقف أخلاقي: أن نفعل لأن الفعل يليق بنا، لا لأن نتائجه مضمونة. فالإنسان الحر لا يستهلك القيم كما تُستهلك السلع، وإنما يصوغها، ويبثها في العالم كما يبث النبع ماءه في الأرض، غير معنيّ بمن يسبق إلى الشرب.

 

وتتجلى هذه الفلسفة، قبل أي مكان آخر، في العلاقات الأقرب إلى القلب. في أن تبادر بالسؤال عن شخص تحبه لا لأن الدور قد عاد إليك، بل لأن حضوره في حياتك يستحق الالتفات. في أن تقول كلمة امتنان صافية، لا تسبقها مناسبة ولا تلحقها مطالبة. وفي أن تمد يد المساعدة دون أن تُسجِّل في الذاكرة ميزانًا خفيًا لما سيعود إليك لاحقًا. هنا، تتحول المبادرة إلى فعل سيادة: أن تعطي لأن العطاء يعبر عنك، لا لأنك تفاوض على ردّه.

 

الحب، في هذا الضوء، حالة وجود لا صفقة تبادل. نحن نحب لأن فينا قابلية للمحبة، ولأن القلب حين يفيض لا يسأل عن الإيصال. والعطاء يستمد قيمته من كونه امتدادًا لهويتنا الإنسانية، لا من كفةٍ تُرجِّحها المقابلة. حين نحبس مشاعرنا في منطق "أعطني لأعطيك"، نفصلها عن بعدها الأخلاقي، ونحوّلها إلى عملة تفاوض. هناك تبدأ الخسارة الصامتة: خسارة الحرية في الفعل، وخسارة الطمأنينة التي تأتي من اختيار القيم حتى في غياب الضمان.

 

ولهذا، فإن المبادرة قد تتجلى أحيانًا في أصعب صورها: أن تكون أول من يكسر صمت الخصومة، لا لأنك أخطأت وحدك، بل لأنك ترفض أن يُدار قلبك بعناد الماضي. أن تبدأ بالكلمة الطيبة، لا بوصفها تنازلًا، وإنما إعلانًا أنك أعلى من أن تُحتجز داخل سوء فهم عابر.

 

في العلاقات الإنسانية يتضخم حضور "الأنا" عندما تتقدم الشروط على اليد الممدودة. يغدو التواصل عقدًا غير مكتوب، تُحسب فيه النوايا، وتُراقَب فيه المشاعر بعين محاسب لا بقلب إنسان. قد يبدو هذا واقعيًا، لكنه ينتزع من العلاقة قدرتها على التحويل. العلاقات ليست فقط مناطق أمان، إنها أيضًا مساحات تغيير. حين نبادر بالعطاء دون شرط، نعلن سيادة أخلاقية هادئة: قيمنا لا تنتظر إذنًا كي تتجلى. هكذا نترك أثرنا في الحياة، ونمنحها فرصة لأن تكون أوسع من خرائط الخوف.

 

ويمتد هذا المنطق إلى الفضاء العام: في بيئة العمل، حين تقدم الدعم لزميل مثقل بالضغط دون أن يكون في ذلك مكسب مباشر. في الفضاء الرقمي، حين تنشر كلمة تشجيع أو فكرة مضيئة دون انتظار الإعجاب أو الصدى. وفي المدينة التي تعيش فيها، حين تشارك في فعل تطوعي صغير، لا ليُذكر اسمك، بل لأن المكان الذي يحتضنك يستحق أن تُعيد إليه شيئًا من الجميل.

 

كثيرًا ما يُساء فهم الاستقلال، فيُخلط بالعزلة، ويُلبس التميز ثوب الرفض. تُقدَّم القطيعة أحيانًا بوصفها شجاعة، بينما هي، في حالات كثيرة، انسحاب أنيق. ليس كل توافق تبعية، ولا كل انسحاب حكمة. التميز الحق لا يُقاس بارتفاع الجدران، وإنما بقدرة الإنسان على الحضور بين الجميع مع حفظ صوته الداخلي. أن تؤثر دون أن تذوب، وأن تقترب دون أن تفقد جوهرك. من السهل إعلان اللامبالاة، والأصعب – والأنضج – أن تعنيك الوجوه كلها، ومع ذلك تبقى وفيًا لما أنت عليه.

 

وقد تظهر المبادرة في أبسط صورها: في ابتسامة صادقة، في كلمة "شكرًا" تُقال بوعي، في لفتة صغيرة لا يراقبها أحد. أفعال تبدو عابرة، لكنها تعلن في صمت أن القيمة ما تزال حاضرة، وأن الإنسان لم يتحول بعد إلى آلة استجابة باردة.

 

الحياة لا تختصرها دائرة ضيقة اسمها "من يفهمني". حين يتحول هذا الشرط إلى محور الوجود، يضيق الأفق، ويغدو الاختلاف ذريعة انسحاب بدل أن يكون مصدر ثراء. العالم فسيفساء من الرؤى، وليس مطلوبًا من الجميع أن يفهمونا حتى نكون صادقين، ولا أن يقدّرونا حتى نكون كرماء. الصدق فضيلة لأننا نجلّ الصدق، والعدل قيمة لأن الظلم قبيح، والوفاء معنى لأن الخذلان يُفقر الروح. حين نفعل الصواب لأنه صواب، نتحرر من ابتزاز النتائج، ونستعيد علاقتنا النقية بالقيم.

 

وهنا تبلغ المبادرة ذروتها: في علاقتك بنفسك. أن تفي بوعد قطعته لها حين لا يراك أحد. أن تختار الصدق حتى حين يكون الكذب أسهل. أن تغضب – غضبًا نبيلًا – على ذلك الصوت الداخلي الذي يحاول إقناعك بأن لا جدوى من المبادرة. هذا الغضب ليس تدميرًا، بل وقود استمرارية.

 

الغضب النبيل هنا ليس صراخًا ولا ازدراءً. إنه رفض داخلي لأن تتحول الأخلاق إلى أدوات حماية باردة، واحتجاج على عالم يتقن الحساب ويخشى المبادرة. إنه تذكير بأن الخير لا يحتاج تبريرًا، وأن الكرم لا ينتظر ضمانًا، وأن الحب ليس ترفًا يُمنح وفق كشوف الاستحقاق. هذا الغضب لا يدعو إلى السذاجة ولا إلى إلغاء الحدود، وإنما إلى إعادة تعريفها: حدود تحمي الكرامة دون أن تخنق الروح.

 

وفي لحظات الاختبار، قد تكون المبادرة كلمة حق تُقال في مجلس صامت، أو موقفًا ضد ظلم لا يمسك مباشرة، أو تسامحًا يُختار لا لأن الآخر استحقه، بل لأنك اخترت أن تتحرر من عبء الحقد.

 

في النهاية، قيمة الإنسان لا تُقاس بما يتلقاه، وإنما بما يشعّ منه. لسنا مرايا تعكس أفعال الآخرين، نحن مشاعل تُضيء بما تحمله في داخلها. حين نستعيد سيادتنا على قيمنا، نتوقف عن انتظار الإذن من العالم، ونبدأ في صياغته، ولو بخيط ضوء. وهذا الخيط، مهما بدا رفيعًا، يكفي ليهدي الطريق.

 

 

جهاد غريب

ديسمبر 2025

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الهندسة الرمزية: ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة

  الهندسة الرمزية   "ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة"   في صمت المتاحف الكبرى، خلف زجاج مقاوم للرصاص وتحت إضا...