الثلاثاء، 16 ديسمبر 2025

من الرماد يولد الوهج

 

من الرماد يولد الوهج

 

بين الشرارة الخفية واللهيب المعلن: رحلة الإنسان نحو أثره الباقي

 





في أعماق الإنسان تستقر شرارة لا تُرى، تختبئ تحت رماد الزمن.

إنها حلم المستحيل الذي يراود كل واقف على حافة الوجود، حين يُطلّ على عالم مثقل بالحدود، فيختار - بإرادته - أن يحوّل هذه الحدود إلى مدارج لما لم يكن متخيّلًا.

هنا، على هذه الحافة، تبدأ أعظم الرحلات: رحلة صناعة الإمكان من رماد المستحيل.

 

فالمستحيل ليس حقيقة صلبة كما نُحب أن نصدّق، بل وهمٌ ألبسته البشرية ثوب القطع، ونصبته حاجزًا في طريق الفكر قبل أن يكون عائقًا في طريق الفعل. وحين تستيقظ الإرادة الإنسانية من سبات القبول، تبدأ في تفكيك هذا الحاجز، لا بالصخب، بل بمطرقة السؤال ومئزر العمل.

عندها، يتحوّل الرماد - بقوة الحريق الداخلي - إلى تربة خصبة، وتُزرع فيه بذور واقع جديد. إنها معركة الإنسان الأزلية: معركة التحوّل.

 

تأمّل قليلًا:

كل بداية عظيمة وُلدت من رحم "لكن".

لكن الطير لا يطير.

لكن القمر بعيد.

لكن المرض لا شفاء له.

 

هذه "اللَّكِنات" ليست نهايات، بل أقنعة المستحيل التي تنتظر يدًا شجاعة لتزيحها. والإنسان الموحَّد بهدفه، المسلّح برؤيته، لا يرى فيها سوى ورق رقيق يخفي مشهد البداية. فيزيحها بتؤدة من يعرف أن خلفها شيئًا يستحق المجازفة. وهناك، حيث يظن الآخرون أن الرحلة انتهت، يكتشف أنه خطا أولى خطواته في صحراء الإمكان اللامتناهي.

 

هي رحلة إبحار في مسالك الإلهام ومرافئ الإرادة. تتلاطم أمواج الشك، وتهب رياح اليأس، ويبدو الأفق مغلقًا. غير أن القلب الذي يحمل خريطة الحلم يعلم أن وراء كل أفق أفقًا آخر.

المرافئ هنا ليست أماكن للراحة، بل محطات للتزوّد بالقوة. كل تحدٍّ تم تجاوزه يصبح ميناءً مؤقتًا، تُرمَّم فيه الثقة، ويُشحذ فيه الإيمان، قبل العودة إلى البحر من جديد. وفي هذا الإبحار، تتحول المصاعب إلى معرفة، والأخطاء إلى حوار صادق مع الذات، والفشل إلى فصل لا غنى عنه في كتاب النجاح.

 

إنها رحلة إلى الداخل، إلى الموضع الذي تولد فيه الشرارة ويُصنع وهجها. فالإمكان لا يسكن خارجنا، بل ينبع من جوفنا. هو تلك اليقظة التي تكشف أن طاقاتنا أوسع من ظروفنا، وأن روحنا أقدر من أجسادنا، وأن إرادتنا أطول عمرًا من العقبات.

وحين يوقظ الإنسان ناره الخالدة - ذلك اللهيب الروحي الذي تختزن فيه القدرة والإبداع - تتهاوى مفاهيم الحدود. يرى ما لا يراه غيره، ويصنع بيديه ما حسبه الآخرون مستحيلًا.

 

فالتحوّل الأعظم لا يكمن في بناء آلة أو تشييد مدينة، بل في انبعاث الإنسان نفسه: من شرارة مترددة إلى وهج لا ينطفئ. هو التحرر من سجن "أستطيع" و"لا أستطيع" إلى أفق أرحب اسمه: "سأكون".

هذا الوهج هو الذي يضيء الطريق للآخرين، لا بالادّعاء، بل بالفعل. يبرهن أن المسلك موجود، وأن القمة ليست وهمًا، وأن الحلم قابل للتحقق. فيترك أثرًا من نور، لا أثرًا من حجر.

 

ليس المستحيل جدارًا كما نظن، بل بابٌ لا يُفتح إلا من الداخل.

كلما سلّمنا له مفاتيحنا، أغلق علينا.

وكلما أشعلنا شرارتنا، تراجع خطوة.

 

من رماد ما فشلنا فيه، ومن غبار ما خفناه، تُبنى إمكاناتنا الحقيقية. هناك، لا نصبح أعظم من غيرنا، بل أصدق مع أنفسنا.

وحين يولد الوهج في الداخل، لا يعود المستحيل سوى اسمٍ قديم لشيءٍ لم نجرّبه بعد.

 

جهاد غريب

ديسمبر 2025

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الهندسة الرمزية: ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة

  الهندسة الرمزية   "ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة"   في صمت المتاحف الكبرى، خلف زجاج مقاوم للرصاص وتحت إضا...