ثنائية
الوجود
"في
الصراع الخلاق بين الإرادة والالتزام"
لماذا
لا تكتمل إنسانيتنا إلا حين نقبل أن حريتنا ليست هروبًا من القيود، بل هي القدرة
على اختيار القيود التي تليق بنا؟
يولد
الإنسان وفي صدره نزوعان متعارضان ظاهريًا: نزوع إلى الانطلاق المطلق حيث تسيطر
الإرادة وحدها، ونزوع إلى الانتماء والاستقرار حيث تحكم الضرورة والواجب. يظلّان
يتصارعان في كل خيار، كبيرًا كان أم صغيرًا. هذا الصراع ليس عَرَضًا نمرّ به، بل
هو البنية الأساسية للوعي الإنساني. إنه الثنائية التي تصنع التوتر الخلاق
الذي منه ينبع الفعل والأخلاق والمعنى نفسه. فكيف نقرأ هذه المعادلة الأزلية بين
ما نريده وبين ما يجب أن نفعله؟
تبدأ
القصة من الإرادة، ذلك المحرك الداخلي الغامض. الرغبات لا تنبع من فراغ؛ هي
خليط معقد من حاجات بيولوجية، وتوقعات اجتماعية، وأحلام شخصية، وذاكرة للتجارب.
ليست كلها "أصيلة"، لكنها جميعًا حقيقية في تأثيرها. الرغبة في الشراء،
في الحب، في الاعتراف، في الراحة – تتصارع هذه الرغبات فيما بينها على مسرح العقل،
ولا يكون الصراع بين "الخير" و"الشر" فحسب، بل غالبًا بين
"ماذا أريد الآن" و"ماذا أريد حقًا على المدى البعيد".
الإرادة، في جوهرها، هي طاقة الحركة الداخلية، لكنها طاقة فوضوية تحتاج إلى توجيه.
وهنا
يبرز دور الالتزام. الواجبات – تجاه الذات، الأسرة، المجتمع، المبادئ –
ليست قيودًا مفروضة من الخارج فحسب، بل هي أيضًا أطر تنظيمية نتبناها من الداخل كي
لا تتحول فوضى الرغبات إلى دمار. الالتزام هو ما يحوّل الطاقة الحرّة للإرادة إلى
قوة بناءة. بدون إطار الواجب، تصبح الحرية مجرد سقوط في العشوائية، وتفقد الإرادة
معناها لانعدام الاتجاه. الصيام، المواعيد، الوعود، القوانين – كلها أشكال من
الالتزام تحمي الإنسان من نفسه أولًا، ثم من فوضى التعايش مع الآخرين.
وطبيعة
الحياة تقتضي توازنًا مستمرًا بين هذين القطبين. عندما تنحاز كفة الميزان
بشدة نحو الإرادة وحدها، يسقط الإنسان في الأنانية والعبث، ويشعر أخيرًا بفراغ رغم
كل ما حصل عليه. وعندما تنحرف بشدة نحو الالتزام المجرد، يسقط في الروتين والجمود،
ويخنق شعلة الإبداع والفرح الشخصي داخله. الثمن الذي ندفعه عند اختلال التوازن هو
ضياع جزء من إنسانيتنا: إما ضياع المسؤولية، وإما ضياع البهجة. التوازن الناجح هو
أن تتحول الواجبات إلى رغبات ناضجة، وأن تتحول الرغبات إلى واجبات تجاه ذواتنا
الحقيقية.
وهذا
يقودنا إلى السؤال المركزي: أهي الحرية نعمة أم عبء؟ الجواب: هي الاثنان
معًا، حسب زاوية النظر. هي نعمة لأنها تمثل جوهر الكرامة الإنسانية – القدرة على
أن تكون مؤلف حياتك لا مجرد شخصية في قصة يكتبها غيرك. لكنها عبء لأنها تضع على
كتفيك ثقل النتائج. الحرية الحقيقية ليست "فعل ما تشاء"، بل "تحمل
تبعات ما تريد". الإنسان يشعر بالحرية عبئًا عندما يريد المتعة دون
المسؤولية، أو عندما يرى الخيارات كثيرة فترهقه. ويشعر بها نعمة عندما يرى في
تحمّل المسؤولية ذروة سيادته على مصيره.
ولذلك،
لا يمكن فصل الحرية عن الأخلاق. الحرية بلا قيم هي قوة عمياء، مثل نهر بلا
ضفتين يتحول إلى فيضان مدمر. الأخلاق هي الضفاف التي تمنح جريان النهر معناه
وقوته. اكتشاف حدود حريتك هو جزء من تعريفها: أنت حر حتى حدود عدم انتهاك حرية
الآخر، وحتى حدود عدم تدمير نفسك. هذه الحدود ليست سجنًا، بل هي هندسة معمارية
تسمح ببناء حياة مشتركة. الحرية الأخلاقية هي التي تسأل: "ما أثمن شيء يمكنني
فعله بحريتي؟" لا "إلى أي مدى يمكنني التمدد؟".
وفي
هذا الصراع المتواصل بين الإرادة والالتزام، بين الحرية والحدود، تنضج
المسؤولية. المسؤولية ليست عقابًا على الحرية، بل هي تاجها. هي علامة اكتمال
الشخصية لأنها تعني أن الإنسان قد انتقل من مرحلة رد الفعل على الرغبات إلى مرحلة
الفعل الواعي المبني على القيم. الاستقلال النفسي الحقيقي ليس الاستغناء عن
الآخرين، بل هو القدرة على تحمّل تبعات اختياراتك أمامهم وأمام نفسك. هنا يتحول
الصراع من معاناة إلى مصدر قوة. الإرادة تصبح أكثر حكمة، والالتزام يصبح أكثر
طواعية.
لذا،
لا تبحث عن نصر أحادي الجانب في هذه المعركة. لا تحاول سحق إرادتك في سبيل
الالتزام، ولا تحاول تحطيم كل التزام في سبيل الإرادة. الثنائية باقية. اجعلها
خلاقة. اقبل بأن كمالك الإنساني يكمن في قدرتك على حمل هذا التناقض، وعلى صنع
لحظات من الانسجام المؤقت بين صوت الرغبة ونداء الواجب. في النهاية، نحن لسنا
أحرارًا لأننا لا نملك قيودًا، بل لأننا نملك الذكاء والشجاعة لنتخذ من بعض القيود
اختيارات نرفعها إلى مستوى المبدأ. وهذا الفعل بالذات – اختيار التزاماتنا – هو
أسمى تعبير عن الإرادة الحرة.
جهاد غريب
ديسمبر 2025

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق