مشيًا
على حروف الذات
لغة
تمشي بك نحو نفسك: الكتابة كجسر بين الوعي الفطري والوجود المكتوب
تبدأ الحياة بهديرٍ
صامت.
هناك، قبل أن تعرف
نفسك، تُمنح لغة. تأتيك كنغمٍ أول تسمعه أذناك، وكهواءٍ تتنفسه قبل أن تدرك معنى
التنفس. تكبر بعدها، فتكتشف أن هذه اللغة ليست أداة للتعبير فحسب، بل مصباحًا
خفيًا يضيء الطريق نحو ذاتك الأصيلة.
وفي هذا المسلك،
تتحول الكتابة من فعلٍ لغوي إلى رحلة كشف: محاولة لفهم من نكون، بالكلمات
نفسها التي وُهِبت لنا قبل أن نفهمها.
كيف نكتب أنفسنا بلغة
سبقت وعينا بها؟
يحمل هذا السؤال
مفارقة الوجود الإنساني كلّه. فنحن نُلقى في العالم محمّلين بإرثٍ من المعاني
والألفاظ، ثم نمضي أعمارنا نفك شفرته، علّنا نصل إلى أنفسنا. هنا، تصبح الكتابة
فعل ترجمة: ترجمة الصمت الداخلي إلى صوت، والحسّ المبهم إلى صورة، والوجع المبعثر
إلى جملة يمكن احتمالها. كل كلمة نضعها على الصفحة تقرّبنا خطوة من ذلك الغريب
الذي نحمله في الداخل: نحن.
إنها مشْيٌ على
أقلام الذات، بين صوت الأصل وصخب الوجود.
الأصل هو ذلك الصوت
الباطني الهادئ، الوعي الفطري الذي يعرف قبل أن يفسّر. والصخب هو ضجيج العالم:
توقّعات الآخرين، الأدوار التي نرتديها، واللغات التي نتقنها كي نتأقلم. وفي
المسافة بين هذين القطبين، تولد الكتابة الحقيقية. هناك نُصغي إلى صوتنا الأول وسط
الضجيج، ونختار الكلمات التي تقرّب بين ما نحن عليه وما نعيشه، أو تكشف المسافة بينهما.
نكتب لنسمع أنفسنا، ونسمع أنفسنا لنعرف ماذا نكتب.
اللغة التي تمشي بك
نحو نفسك ليست خريطة جاهزة، بل دليلًا أمينًا في دربٍ كثير التفرّع. فكل عمل
إبداعي صادق هو، في جوهره، إجابة عن سؤال الهوية. حين تمسك بالقلم، أو تضع أصابعك
على لوحة المفاتيح، لا تجمع جُمَلًا فحسب، بل تلمّ شتات روحك في زحام الأيام.
تستدعي ذكرى من عمق الطفولة، تمنح الخوف اسمًا يهدّئه، وتحفظ الحب في سطور كي لا
يضيع. الكتابة وطنٌ متنقّل للروح، لا تحدّه خرائط ولا تعرّفه حدود.
ولذلك، ليست اللغة
الأم هي اللغة التي وُلِدنا بها فقط، بل تلك اللغة الواعية في داخلنا؛ اللغة التي
تلدنا من جديد كلما اهتدينا إلى معنى، أو تصالحنا مع تجربة، أو فهمنا أنفسنا
قليلًا أكثر.
لا عجب، إذن، أن أقوى
النصوص هي تلك التي تكشف الكاتب أكثر مما تخفيه. فالكلمة الصادقة لا تخرج لتعرض
ذاتها، بل لتصادف ذاتًا أخرى. وحين تعبر التجربة الفردية هذا الجسر، تصبح إنسانية.
تكتب نفسك، فتكتب الإنسان؛ لأن المسرحية الكبرى للحياة لا تقوم إلا على هذه
التفاصيل الصغيرة، الصادقة، والفريدة.
وفي هذه الرحلة، تغدو
الكتابة شكلًا من أشكال الحرية العميقة. حرية أن تكون صادقًا دون محاكمة، أن تعيد
ترتيب تجاربك لا لتزوّرها، بل لتفهمها، وأن تصنع من فوضى المشاعر نظامًا جماليًا
يمنحك بعض السلام. ليست الكتابة هروبًا من الواقع، بل محاولة لبلوغ واقع أصدق،
أعمق، وأطول أثرًا.
فامشِ على حروفك
بهدوء.
دع اللغة التي فيك
تقودك إلى ما أخفيته طويلًا.
واعلم أن كل جملة
تكتبها ليست خطوة في نصّ، بل خطوة نحو نفسك.
فالخطّ الحقيقي ليس
ما يُرسم بين الكلمات،
بل ما يتركه الكلام
فينا... بعد أن ننتهي من قراءته.
جهاد غريب
ديسمبر 2025

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق