الثلاثاء، 16 ديسمبر 2025

على حافة الضوء

 

على حافة الضوء

 

حنين على حافة الضوء: تأملات في المشاعر غير المسماة

 





هناك مشاعر تأتي من غير ممر معروف.

لا تطوف كالطوفان، ولا تظهر بوضوح في منتصف النهار.

إنما تزحف على حافة الضوء، في تلك اللحظة الغامضة بين النهار والمساء، حيث تختلط الأشياء فيتحول الظل إلى أشباح، والأشباح إلى ذكريات. هناك، حيث يكون السكوت أبلغ من الكلام، تنبعث أسئلة لا تريد جوابًا، ويشير الحنين إلى شيء لا يُعرف وجهه.

 

على حافة الضوء، ليس الضوء نفسه بقوته، ولا الظلام بغموضه. بل هو الحد الرقيق، الأخف من نسيم، حيث تتعرى الأشياء من دلالتها المعتادة لتصبح رموزًا لما هو أعمق. الكرسي الذي ينتظر، الوسادة التي تحفظ أثر رأس غائب، نغمة تعلق في الهواء من دون مصدر… كل هذا القرب من الحد هو قرب من الجوهر. فالضوء الحاد يعمي عن الحقيقة، والظلام الكثيف يخفيها، أما حافة الضوء فهي المَرْقَبَة الأمثل لرؤية ما لا يراه الناظر وسط المشهد.

 

وتأتي اليد التي تسأل. يد تمتد في الفضاء لا لتمسك شيئًا، بل لإعلان الحاجة إلى مسّ شيء لم يعد معروفًا. إنها لغة قبل اللغة، حركة تفهمها الأجساد قبل أن تفسرها العقول. السؤال هنا ليس عن معلومة، بل تجسيد للغيبة، شعور بالفقدان. يد تبحث عن يد مفقودة، عن دفء تذكّرته البشرة ونسيته الذاكرة. السؤال لا يريد جوابًا، لأنه لو جاء الجواب لقتل جماله. يريد أن يبقى معلّقًا في الهواء، مثل رائحة تذكرك بشيء لم تعشه قط.

 

ثم تهب الريح التي تتذكر. ليست عاصفة، بل نسيم المساء الخفيف، حاملة معها روائح من زمن آخر: تربة بعد المطر في بلد الطفولة، عطر أم في ملابس قديمة، رائحة كتاب مغطّى بالغبار. الريح هنا سجل للذاكرة غير المخطوطة، تأتي بلا إنذار لتكسر سور الزمن المستقيم، وتعيدك إلى لحظة مبعثرة كانت تنتظر أن تكتمل. ومع استسلامك لها، تدرك أن الحنين ليس شوقًا لزمن مضى، بل شوق الزمن نفسه إليك، شوق للحظات لم تُستوفَ بعد لتطلب منك إعادة تأويلها.

 

دفء لا يشبه الشمس، دفء آتٍ من الداخل، كنار صغيرة تُوقدها لنفسك. دفء قلب يتذكر، ضمائر تسترق السمع إلى حديث قديم، فراش يحفظ حلمًا لم يتحقق. هذا الدفء هو طاقة البقاء الروحية، شعاع يمنع اليأس من الاستيلاء على جميع الزوايا. لا يخترق كلهيب الشهوة، ولا ينعش كالحرارة الجسدية، بل يعود بك إلى نفسك، يذكّرك أنك ما زلت حيًا في أعماقك، حيث لا يصل برد العالم.

 

وحيث يشير الحنين، هناك دليل أخرس إلى معانٍ لا تستقيم للغة. إشارة على خريطة المشاعر، تدلك على مكان لم تزره قط، لكنك تعرف أنه وطنك الأصلي. الحنين لا يشير إلى الماضي، بل إلى وجود متوازن، عالم من المعنى يعيش جنبًا إلى جنب مع عالم الأشياء. كل ما عليك فعله هو أن تتبعه بصمت، وتترك نفسك للنسيم الغامض الذي يعرف الطريق أفضل منك.

 

فنحن نعيش على حواف الأشياء.

على حافة الضوء نكتشف أن أسئلتنا أجمل من أجوبتنا، وحنيننا أصدق من ذاكرتنا، ودفئنا الداخلي أبقى من كل شمس تشرق وتغيب.

وفي هذه المنطقة البينية، حيث يختلط الواضح بالمبهم، يكشف الوجود عن سره: أن الحقيقة الكبرى ليست في الأشياء نفسها، بل في الحد الرقيق الذي يفصل بينها وبين ما يمكن أن تكونه.

 

جهاد غريب

ديسمبر 2025

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الهندسة الرمزية: ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة

  الهندسة الرمزية   "ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة"   في صمت المتاحف الكبرى، خلف زجاج مقاوم للرصاص وتحت إضا...