فلسفة الستر
حين تحرسنا الأشياء التي لا نعرفها
أتراكم
تسألون عمَّا سُتِر عنكم؟! أم أن في أعماق النفوس ظمأً غريبًا يدفعها إلى اقتحام
الأبواب المغلقة، كأنَّ القلوب ـ في لحظة ضعف ـ تتوق إلى وجعٍ لا حاجة إليه،
والعيون تبحث في الظلال عن ظلماتٍ لم تُخلق لها. وقد يبدو السؤال أحيانًا بحثًا عن
طمأنينة، لكنَّه ـ حين يتجاوز حدَّه ـ يتحول إلى نافذة ينفذ منها القلق، وإلى طريق
يبتدئ بالفضول وينتهي بثقلٍ على القلب.
ولذلك،
حين نتأمل سياق الحكمة الإلهية، ندرك أنَّ بعض الأبواب أُغلقت رحمةً بنا لا
حرمانًا، وأنَّ بعض الغموض جُعل ستراً ليحفظ سلام الروح. ومن هنا يتولّد المعنى
العميق: أنَّ ما غاب عنا ليس دائمًا نقصًا، بل قد يكون تمامًا، وأن السكوت الإلهي
ليس فراغًا، بل امتلاءً خفيًا بالرحمة. وكأنَّ الصمت ـ في مواضعه ـ نورٌ رقيقٌ
يضيء المسار من غير أن يفضح التفاصيل، ورحمةٌ تنبت في القلب شيئًا من زهر
الطمأنينة حين يدرك أن ما لم يُكشف لم يُكشف لحكمة.
ولعلّ
هذا هو الجسر الذي يقودنا إلى الآية الكريمة، حيث يأتي النداء الإلهي دافئًا
وحازمًا في آن:
قال
تعالى:
يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ
تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ
عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ. الآية (101).
فما أعظم
هذا التأديب، وما أرقّه! إنه ليس نهيًا مجرّدًا، بل توجيهًا لطيفًا يتغلغل في
أعماق النفس ليهذب رغبتها في معرفة ما لا ينفع، وليعلّمها أنَّ الحقيقة ليست
دائمًا هدية، وأن كشف بعض الغوامض قد يكون عبئًا لا يطاق. فكم من سؤالٍ يظنه المرء
نافعًا، فإذا به يفتح بابًا لا يُغلق من الهمّ! وكم من جوابٍ تمناه القلب، ثم ندم
حين سمعه!
ومن هنا
نفهم أن الله تعالى أراد لعباده أن يعيشوا قلوبًا سليمة، لا مثقلة بما لا طاقة لهم
به، ولا مشغولة بتفاصيل تُؤذي أكثر مما تنفع. وقد تجلّى هذا المعنى حتى في السنة
النبوية، حين قال رسول الله ﷺ:
"لا
يبلغني أحد عن أحد شيئًا، إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر."
وهذه
العبارة النبوية تحمل في طيّاتها درسًا آخر، يكمّل المعنى السابق: أن نقاء الصدر
نعمة، وأن الابتعاد عن فضول الأخبار وفتنة التفتيش في خفايا الناس من أسباب السلام
الداخلي. فإذا كان النبي ﷺ يحرص على سلامة صدره، فكيف بنا نحن، وضعفاء النفوس أمام
رياح الكلام؟
وهكذا،
تمتدّ الحكمة من النص الإلهي إلى الهدي النبوي، لتصنع خيطًا متينًا يربط المعاني
كلها: أن بعض المعرفة حجابٌ يثقل الروح، وأن بعض الجهل نعمة تحفظ لنا صفاء القلب
وطمأنينة العيش. فدعوا ما غاب يكمل نقصكم، واتركوا ما طُوي عنكم في ستره، فما ستره
الله عنكم إنما ستره لصالحكم، ولئلا تُفتح عليكم أبواب همٍّ لا تُغلق.
ولعلّك
إن أغمضت عينيك قليلًا، وأرهفت قلبك لهذا المعنى، ستشعر بأن في العالم أسرارًا
تسير بجوارك دون أن تُكشَف، لا لأنك غير أهلٍ لها، بل لأنك أكرم من أن تُحمَّل
أثقالها. فليس كل ما يُعرَف يُسعِد، ولا كل ما يُكتشَف يرقى بالنفس، بل إن بين
طبقات الغيب مساحاتٍ لو مُزِّقت حجبُها لذابت القلوب من هولها، ولو وُضعت على
الأرواح لمالت تحت ثقلها.
وهنا
تحديدًا يبرز جمال التوازن الإلهي: أن يُعطيك من العلم قدرًا يقيم حياتك، ويمنحك
من الجهل قدرًا يحفظ عليك سعادتك. فتمشي في الدنيا وقد تخلّى عنك وهم الإحاطة بكل
شيء، ورافقك يقينٌ بأن ما لم تُدركه عينك قد حُفظ عنك بحكمة، وأن ما لم يبلغه سمعك
لم يُقصَ عنك بظلم، بل وُقيت به رفقًا ورحمة.
إن
الإنسان حين يتصالح مع المجهول، تتحوّل الأسئلة القاسية في صدره إلى نوافذ هواءٍ
عليل، وتتحوّل ظنونه إلى مساحات تسكنها السكينة. فما أكثر الذين أثقلتهم أجوبة لم
يطلبوها، وما أندر الذين أنقذهم الجهل الجميل من همٍّ لا يُحتمل. ومن أدرك سرّ
الستر، أدرك أن القلب لا يتسع لكل شيء، وأن المعرفة قد تكون نهرًا يغرق فيه من ظنّ
أنه قادر على السباحة في أعماقه.
ولذلك،
حين تتعثّر خطواتك نحو باب مغلق، لا تظن أن الخيبة هي ما ينتظرك وراءه؛ بل ربما
كانت الرحمة هي التي سبقتك وسدّت الطريق. وحين تعجز عن فهم حكمةٍ في حياتك، فاذكر
أن الحكمة ليست دائمًا في الفهم، بل كثيرًا ما تكون في التسليم. إن التسليم ليس
ضعفًا، بل هو القوة التي تُعيد ترتيب الفوضى داخل النفس، وهو الضوء الذي ينبثق حين
يعجز العقل عن رؤية الطريق.
فاجعل
لقلبك نصيبًا من هذا السكون، ودعه يستريح من مطاردة الأسئلة التي لا ثمرة لها.
واجعل لروحك نصيبًا من هذا القبول، فليس كل ما غاب ينبغي أن يُدرك، ولا كل ما حُجب
ينبغي أن يُرفع. وفي كل ما سُتِر عنك هناك رسالة تقول لك: "امضِ، فالله قد
كفاك."
وهكذا
تمضي الأيام، ويزداد القلب فهمًا بأن العالم لا يُقرأ كله، وأن بعض صفحاته مطوية
لتظلّ جميلة كما هي، وأنك لا تحتاج إلى حمل مفاتيح كل الأبواب لتستقيم رحلتك.
فهناك أبوابٌ يكفي أن تمرّ بقربها مطمئنًّا، عالمًا بأنها ليست لك، وأنك لست لها.
وتلك ـ وحدها ـ حكمةٌ لو وعيتها لنجوت من كثيرٍ من التعب.
فأرح
قلبك من ثقل السؤال، وأرح نفسك من فضولٍ لا يشبع، واسمح للغيب أن يكون غيبًا،
وللستر أن يظلّ سترًا. ففي آخر المطاف، لن تجد أصفى من قلبٍ سلِم، ولا أجمل من صدرٍ
لم تُثقله الأجوبة، ولا أعمق من روحٍ أدركت أن الرحمة لا تأتي دائمًا في صورة
العطاء... بل تأتي كثيرًا في صورة المنع.
ومن عرف
هذا السرّ، عاش مطمئنًا، ومضى خفيفًا، ونجا من أثقال المعرفة حين تتحوّل إلى قيود.
وهنالك فقط، يتجلّى المعنى خالصًا: أن بعض الجهل نور، وبعض الستر حياة، وبعض
الأسئلة... سلّمها للسماء.
جهاد غريب
ديسمبر 2025

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق