الاثنين، 1 ديسمبر 2025

الفوضى المنظّمة

 

الفوضى المنظّمة

 

"كيف تُصاغ السيرة المهنية في دهاليز الزمن الفاني"

 




كانت يد الساعة تمزق الفضاء قطعةً قطعة، وكل قطعة تحمل اسمًا: "مهمة عاجلة"، "موعد نهائي"، "التزام منسي". ومع ذلك، وفي غرفة عالية النوافذ، وقفت ساعات الرمل على الرف، صامتة، كأنها شواهد قبور لأوقات لم تُحيا بعد، تراقبني بصبرٍ غريب. هنا، في هذا الاختلاط الصاخب بين ما يجب أن يكون وما هو كائن، يولد السؤال الوجودي الأول: كيف يمكن أن نصنع نظامًا من رحم الفوضى؟ وكيف نمنح معنى لتلك القطع الممزقة من الزمن التي تتساقط بلا هوادة، كخيوط الضوء التي تتسلل بين ستائر الغرفة؟

 

لم يكن الأمر مجرد ترتيب مهام، بل أشبه بعلم آثار لحياة مهنية، حفريات تكشف تحت كل طبقة عن هيكل عظمي لقرار متسرع، حلمٍ تأجل، أو طاقة تبخرت. وفي تلك الرحلة، كل خطوة كانت تتطلب فن الاختيار الدقيق بين الضروري والحقيقي، بين ما ينجو وما يُترك للضباب، كأننا نصوغ معنى الزمن بأنفسنا قبل أن يلتهمه الصمت.

 

وبينما نستوعب هذه الحقيقة الوجودية، تبدأ الفوضى بالظهور على شكل مهام تتصارع على الاهتمام، فتكشف لنا مدى هشاشة ترتيبنا الزمني. ومع كل تصادم، يبدو أن ظلال الغرفة تعكس الارتباك ذاته، ملمّحةً إلى الحاجة لإعادة بناء النظام من الداخل.

 

 

تشريح الفوضى – عندما تلتقي الجبال بالغيوم

 

تكاثرت المهام من حولي كالفطر بعد المطر، تتدافع بلا ترتيب، وتتداخل حتى يكاد المرء يعجز عن التمييز بين السام منها والمغذّي. وفي خضم هذا الازدحام، كنت أرى الأولويات تتصرف مثل نهرٍ مندفع يحمل أوراق الخريف دفعة واحدة؛ يأخذ ما يشاء ويترك ما يشاء، يمحو مسارات ويمنح مسارات أخرى فرصة النجاة، تاركًا خلفه أثرًا خفيفًا من الاحتمالات المبعثرة على أرض الواقع.

 

لقد شاهدت مهندسين يبنون قصورًا من الرمل عند حافة المدّ، وسمعت شعراء يلقون قصائدهم في مهب الريح. الجميع منشغل، لكن قليلًا منهم من يعرف أين تشير البوصلة. وفي تلك اللحظة، ندرك أن الأولوية ليست قائمة تُعلّق على الجدار، بل نَفَس داخلي، فلسفة حياة مختزلة في سؤال ضيق ورهيب: لو لم يبقَ من العمر سوى يوم، ماذا سأصنع الآن؟

 

كل تأجيل موت صغير، وكل مهمة نُقصيها عن الضوء تتحول إلى شبحٍ يطاردنا في الليل، يحمل ساعة رمل مكسورة لا يعرف أين سقط نصفها الأول. تصبح كل أولوية كأنها يد خفية تمسك بقلمًا أحمر، تتجوّل فوق صفحة مكتظة بالكلمات؛ تتردد، تختار، ثم تهوي نقطة الحبر على كلمة واحدة فقط، لتتلاشى البقية في ضبابها القديم. وكأن القرار الواحد قادر على فتح طريق وإطفاء آلاف الطرق دفعة واحدة، تاركًا أثره الخفي في كل ما لم يُنطق به بعد.

 

وبعد أن نهضنا من زوبعة الأولويات، ندرك أن ما نتركه خلفنا من قرارات وتأجيلات يشكّل أساسًا لبناء شيء أعظم، شيء يتجاوز المهام اليومية، ويمنحنا رؤية أوسع لما نستطيع إنشائه من النظام وسط الفوضى، وهو الأساس الذي نبني فوقه جسور الثقة والشراكة مع العالم المحيط بنا.

 

هندسة النجاح – ما وراء حجارة البناء

 

بعد أن تنتهي من ترتيب حجارة الوقت، تبدأ رحلة صامتة نحو تشييد كاتدرائياتك المهنية، تلك التي لا تُبنى بالمهارة وحدها، بل بما يشبه جسرًا يربط ضفّتين لا ترى إحداهما الأخرى؛ جسر من الفهم الخفي والثقة، يمتد عبر الفراغ قبل أن تكتمل دعائمها في الواقع، وكأن كل خطوة تمثل اختبارًا لصبرك وحدسك.

 

فالإنجاز الفني وحده ليس ضمانًا للبقاء. لقد رأيتُ أبراجًا شاهقة تنهار لأن أساساتها كانت من زجاج العلاقات، وسمعتُ قصائد عظيمة تموت لحظة ولادتها لأنها كُتبت بلغة لا يفهمها أحد. ومع ذلك، النجاح في جوهره يحتاج إلى ما يتجاوز الحرفة؛ يحتاج القدرة على بناء الجسر بين ما نعرفه وما يتوقعه العالم منا، بين مهارة اليد وذكاء الروح، وبين ما يظهر وما يختبئ خلف السطور، كأنك تسير على مسار غير مرئي، لكن أثره يتغلغل في كل ما حولك.

 

وهناك شيء يشبه الاستراتيجية الصامتة؛ لغة لا تُكتب في الرسائل ولا تُنطق في الاجتماعات، لكنها تتحرك بين السطور كظل داخلي يسبق الجسد. هي المصافحة التي تحمل أكثر مما تقوله الشفاه، والمعرفة الدقيقة بلحظة الصمت التي تمنحك وزنًا، ولحظة الكلام التي تعيد ترتيب الطاولة.

 

أما البعد الاحترافي، فليس عباءة نرتديها حين نريد الظهور بشكل لائق، بل جلدٌ جديد ينمو فوقنا، هدوء مقلق في العين حين تشتعل الأزمات، كوميض ضوء يتحرك خلال الظلام، كأنك تعرف سر تحويل النار إلى ضوء. وفي لحظة قصيرة، كأن رجلًا يقف أمام مرآة غرفة تبديل الملابس، يخلع بدلة العمل العادية ويرتدي أخرى لا تختلف كثيرًا في شكلها، لكنها تحمل لمعانًا خفيًا يكشف عن تحول داخلي عميق؛ وإذا خرج من الغرفة، خُلِّف خلفه أثرٌ مضيء على الأرض، لا يراه الجميع، لكن كل من يراه يدرك أنه لم يعد الشخص نفسه.

 

وبينما نرفع أعيننا عن الحجر والأساسات، نكتشف أن المشاريع الحقيقية تتطلب أكثر من مهارة اليد؛ إنها مساحة للتفكير ورؤية أوسع تتجاوز الجدران والخرائط، لتصبح رحلة فهم وتقدير لما وراء الملموس، وإدراك أن كل خطوة تحمل معها بعدًا خفيًا من التوازن بين القدرة على التنفيذ ورؤية المستقبل.

 

 

اتساع الرؤية – عندما تتكلم المساحات

 

المشاريع الكبرى ليست هياكل منطقية فحسب. ليست خرائط عمل تقليدية. إنها **خرائط تكشف قاراتٍ مخفية** تحت سطح المحيط؛ قارات لا يراها إلا من يملك عينًا تتجاوز حدود الضوء. المهندس العادي يبني الجدار، أما الفيلسوف-المهندس فيبني الفضاء الذي سيعيش فيه الغرباء. يبني المساحة التي ستحتضن الأحلام. ويترك للهواء متسعًا كي يتحول إلى شكل. الفكرة نفسها تجد مجالها لتتنفس. تنمو خارج قيود المخطط، كوميض يتسلل إلى أفق داخلي لم يُستكشف بعد.

 

وبينما نتجاوز حدود التخصص، ندخل فضاء الشمولية الوجودية. هنا يصبح العمل لوحًا زجاجيًا. يرسم عليه المصمم خطوطه الأولى، لكنها لا تلبث أن تتمرد على إطارها؛ كل خط يمتد خارج سطح اللوح، كظل يتسرب ليخلق سماءً أخرى ينمو فيها بحرية. وفي الهواء، تتشكل هياكل ثلاثية الأبعاد، تتداخل فيها الأصوات بالألوان، وتتعانق الأطياف بالنوايا، فتبدو الخطة وكأنها تكتشف ذاتها وتتمدد أبعد مما تخيله صاحبها، وكأن اللوح الزجاجي أصبح كيانًا حيًا يكتب قصته بنفسه، مع كل نفَس جديد.

 

أما التخطيط للجوانب غير التقنية، فهو فن آخر؛ فن التنبؤ بما لا يُتنبأ به. كيف تحسب أثر فراشة قد تغيّر مناخ العرض؟ وكيف تزن الصمت بين كلمتين حاسمتين؟ إنها رياضيات اللامرئي، حيث لا تكفي النماذج والمعادلات، بل تحتاج إلى حدس الشاعر، وبصيرة العرّاف، وصبر من يسمع الخط قبل أن يُكتب. أي قرار يتجاوز الملموس يحتاج قلبًا واعيًا وعينًا تتجاوز الجداول والرسوم.

 

مع الوقت، تتعلم أن الظلال جزء من المبنى، وأن ما لا يُقال قد يكون أساس ما يُبنى. وأن المشروع الحقيقي لا يكتمل حين تنتهي منه، بل حين يبدأ بالعيش خارجك، ككيان يخطو خطواته الأولى دون إذنك، وينمو في اتجاه لم تخطط له، لأنه وجد أخيرًا مساحته الخاصة في العالم. وكما تمتد الخطوط خارج اللوح لتبحث عن حرية الحركة، كذلك يمتد الإنسان داخليًا، يواجه تحدياته الداخلية وحدوده في مسرح الذات المتشظية، حيث يكتشف أفقه الخاص ويتنفس مساحة لم يكن يعلم بها.

 

 

تشظي الذات عند حدود التحمل

 

لكلٍّ منا حدودٌ لا تظهر على الخرائط، حدودٌ تتغير مع تغير الطقس الداخلي. تأتي الضغوط كأمواج عالية تحمل معها حطام الحياة الشخصية: همسات العلاقات، أشباح الأحلام المؤجلة، وذكريات تتآكل كالصدأ، فتختبر قدرة المرء على الثبات في وسط العاصفة. وفي خضم تلك الأمواج، يصبح الإنسان أشبه بمرآة تعكس أكثر من وجه في وقت واحد؛ مرآة لا تكتفي بما عليها، بل تكشف عما كان مختبئًا خلفها منذ زمن بعيد، كوميض داخلي يضيء أطياف ذاته المختلفة.

 

المحترف الحقيقي ليس من يمضي كأن لا شيء يمسه، بل هو من يعترف بجراحه ويضمد جراح المشروع. ففي أعماق اللحظة المرهقة، قد تتشظى الذات كما لو كانت وجهًا في غرفة مظلمة ينعكس في عشرات المرايا، كل انعكاس يمثل دورًا مختلفًا: المحترفة، الأم، الحالمة، المتعبة؛ وكل منها تصرخ بصمتٍ لا يسمعه أحد. وبينما تتجمع هذه الشظايا، وببطء يشبه نَفَسًا يعود إلى صدره بعد انقطاع، تبدأ بالتماسك، تتحرك نحو بعضها البعض كأن يدًا خفية تجمعها، لتعيد تشكيل وجهٍ آخر أكثر رسوخًا، وجه يحمل ندوب الانقسام كوشم قوة، ويضيء أفق النفس الداخلي ليعلّم كيف وُلد من جديد.

 

الاعتراف بالجهد هو ذلك النحت الخفي على جدران العمل، العلامة التي تقول: "أنا أرى ما لا يراه الآخرون". وعليه، فالدعم المتبادل ليس رفاهية، بل شبكة أمان وجودية تحمي من السقوط في هوة اليأس حين يثقل عليك كل شيء. لقد رأيتُ أبطالًا ينهارون لأنهم صدّقوا أن القوة تعني التحجّر، وسمعتُ عن انتصارات عظيمة بُنيت فوق أرواح تشققها التعب. لكن الحكمة تعلمنا شيئًا آخر: المرونة ليست ضعفًا، بل هي ذكاء المواد التي تعرف كيف تنحني كي لا تنكسر؛ ومن يرى وجوهه المتعددة في المرآة ثم يختار وجهه الحقيقي رغم التشظي، هو من يواصل الطريق بثبات وقوة، ويبني قلبًا يلتئم تدريجيًا مع كل خطوة.

 

ومن قوة تحمل الذات ووعيها، ينشأ النجاح الحقيقي، ذلك السرد الذي يترك أثره في حياتنا كما تترك خطواتنا أثرها في الطريق، ويضيء مسارنا الداخلي للأمام.

 

 

 

 النجاح كسيرة ذاتية متعددة الطبقات

 

في النهاية، ليست الإدارة مجرد جدول زمني، ولا النجاح مجرد إنجاز تقني. إنه أشبه بسيرة ذاتية تُنقش على جدران الزمن بخطوط متشابكة: خط المهنة، وخط العلاقة، وخط الحلم، وخط البقاء. فالوقت ليس عدوًا ولا حليفًا، بل المادة الخام التي ننحت منها تماثيل وجودنا، والضغوط ليست شيئًا يجب هزيمته، بل أدوات النحت نفسها.

 

تذكر، وأنت تقف على حافة يوم جديد، أن المهنة الحقيقية ليست ما تفعله لكسب العيش، بل ما يفعله العيش من أجلك. كل مهمة تؤديها، كل علاقة تبنيها، وكل ضغط تتخطاه، كلها فصول في الرواية غير المرئية التي تكتبها بأنفاسك وخطواتك وصمتك. وبينما تتقدم في هذا الممر الطويل، تتجسد أمام عينيك أعمالك كما لو كانت ظلالًا حية: هنا ظل جسر بنيته، هناك ظل كلمة غيّرت مصيرًا، وفوقك ظل ابتسامة قدمتها في وقت صعب. ومع مرور الوقت، عند نهاية الممر، تجد بابًا مكتوبًا عليه: "ما زال هناك المزيد من العمر لتعيشه"؛ هذه الصورة الأخيرة لا تفصل بين السرد والتأمل، بل تضعك داخل الرواية نفسها، شاهدًا على خطواتك وثمار جهودك، ملمسًا لحياة أنجزتها بروحك، كما لو أن كل ظل يحمل قصته الخاصة ويضيء دربك الداخلي.

 

ولعل الحكمة تكمن في معرفة أن الفوضى والنظام وجهان لنفس العملة، وأن النجاح ليس نقطة نصل إليها، بل طريقة سير نتعلمها في الطريق. ومع هذا الفهم، قد نكتشف أن أهم مشروع نديره ليس الملفات على مكتبنا، بل الروح التي تحمل تلك الملفات من وإلى ذلك المكان الغريب الذي نسميه: الحياة، مكانٌ تتشكل فيه مساراتنا وتكتب فيه سيرة وجودنا المتشابكة.

 

 

جهاد غريب

ديسمبر 2025

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الهندسة الرمزية: ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة

  الهندسة الرمزية   "ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة"   في صمت المتاحف الكبرى، خلف زجاج مقاوم للرصاص وتحت إضا...