الأحد، 30 نوفمبر 2025

حفرة الضوء وصدى الكلام: ملحمة الهمسات والتمرد

 

حفرة الضوء وصدى الكلام: ملحمة الهمسات والتمرد

 

"رحلات الشعراء إلى الهمسات الخفية بين قلب الإنسان وروح الكون"

 





إلى كل من يبحث عن النور في كلماتٍ لا تموت،

 

منذ اللحظة التي تنبض فيها اللغة بنَفَسها الأول، تنفتح في قلب العتمة حفرةٌ من الضوء، وتدور حولها الكلمات ككائنات عادت من رحلةٍ طويلة عبر المجهول. ليست الكلمات أصواتًا فحسب، بل صدى لأسئلةٍ لم تُطرح بعد، ورجفةٌ لسرٍّ لم يتجسد.

 

في ذلك المكان، يقف الشاعر لا شاهدًا عابرًا، بل حارسًا على حافة الوجود، ينحني فوق الهاوية ليصوغ من نثار الأشياء نجومًا، وليحوّل تفاصيل الحياة العادية إلى إشارات فجر. هناك تبدأ الرحلة: رحلة تحويل المألوف إلى طقس، والطقس إلى معنى، والمعنى إلى نافذة تُطل على ما يتجاوز الواقع بقدر ما يتغلغل في قلبه.

 

ومع كل خطوة في هذا المسار، تظهر تلك المفارقة التي لا يتوقف الشعر عن إثارتها: كيف يمكن للبساطة أن تكون بوّابة إلى الأبدية؟ ليست البساطة هنا نقصًا ولا فقرًا، بل هي التجريد الذي يخلع الأقنعة عن الأشياء، فتخرج حقيقتها في شكلها الأول، خامةً صافيةً تتلألأ بما هو أبعد من ظاهرها.

 

الشاعر لا يزعم فتح أبواب الغيب - فذلك مما لا يملك بشر - بل يقف عند العتبة ويقرعها بكلمته، يُصغي لما يتسرّب من وراء الحجاب، ويحوّل الاقتراب نفسه إلى فعل كشف. فالحرف ليس مفتاحًا يفتح، بل نبضة تُضيء، وإشارة تسمح للغيب أن يقترب خطوةً دون أن يتخلى عن سره، ليظل في القصيدة ما يحفظ القداسة وما يحفظ الإنسان معًا.

 

وبينما تتدحرج الكلمات في بئر المعنى، تدخل السخرية على هيئة حكمةٍ خفية، ليست سلاحًا لإسقاط الآخرين، بل مرآةً تكشف هشاشة ما نتوهم أنه يقين. إنها ضحكة طفولية تحمل دمعة وعيٍ عتيق، وخفّة تفضح ثِقَل العالم دون أن تهدمه.

 

في يد الشاعر، تصير السخرية نورًا دقيقًا يسري في ثنايا الظلال، فتبدو حكمة الشيخوخة وبراءة الطفولة كوجهين لحقيقة واحدة: أن البراءة ليست سوى حكمة لم تُكتب بعد، وأن الحكمة ليست إلا براءة تعلّمت كيف تُمسك النار دون أن تحترق.

 

ومع اتساع الرحلة، تتحول القصيدة من صوتٍ فردي إلى فضاءٍ يجمع بين الفرد والجماعة. فهي لا تهمل الألم الشخصي ولا "تُطنّش" وجع الذات، بل تحتضنه وتعيد تشكيله حتى يتسع ليصبح أملًا مشتركًا. وهكذا يظهر دور الشاعر كجسر لا يُثقل العابرين؛ جسر من نسيم مضاء، يمشي عليه كل قارئ دون أن يشعر بأنه ضيفٌ أو دخيل.

 

لا يعود القرّاء مجرّد متلقّين، بل رفقاء طريق، سائرين معه في المسار ذاته، يتحسسون الحواف نفسها، ويتنفسون الأسئلة التي تصعد من جوف المعنى مثل بخارٍ دافئ. فكل قصيدة عظيمة لا تتوقف عند حدود صاحبها، بل تتجاوزها لتصير ملاذًا جماعيًا، يلتقي فيه الوجدان الفردي بمصير الإنسانية الأكبر.

 

ثم يجيء ذاك التحول السري حيث لا يبقى في عالم الشاعر فاصلٌ واضح بين الواقع والمثال؛ فالصورة اليومية تتحول إلى رمز، والرمز يعود فيغمر الواقع من جديد. القصيدة تعيش في تلك المساحة البينية: بين الحلم واليقظة، بين الصمت والكلام، بين المادة والروح. والشاعر يبني من الضباب جسورًا واثقًا أن القلوب ستعبرها، ويحوّل العاطفة الشخصية إلى تجربة كونية، والكلمة العابرة إلى معبرٍ بين الظاهر والباطن.

 

ليس في هذا العالم ما يُغلق تمامًا، ولا ما يُفتح تمامًا؛ كل شيء يظل معلّقًا في توترٍ جميل بين الممكن والمتحقق، بين السؤال و"اللاإجابة".

 

وهنا يبرز الإرث الحقيقي للشعراء: إرث الأسئلة. فالشاعر لا يقدّم أجوبة جاهزة، بل يوقظ قدرة الإنسان على السؤال. يعلّمنا أن الجمال ليس في الجواب الأخير، بل في السؤال الذي يضيء العتمة ويُربك اليقين ويجعل النفس أكثر استعدادًا للحياة.

 

كل قصيدة حقيقية ليست بابًا يُغلق، بل نافذة تُفتح؛ ليست نهاية طريق، بل بداية رحلة طويلة. إنها سؤال مفتوح يدعونا إلى التأمل، لا جواب مغلق يدفعنا إلى الركون. وكل سؤال يولّد سؤالًا أعمق، وكل خطوة في المعنى تقود إلى هاوية نور جديدة.

 

وفي اللحظات الأخيرة من التأمل، ندرك أن الحياة نفسها قصيدة لم تُكتب بعد، وأننا - جميعنا - نقف بين سطرٍ وسطرٍ نترقّب انبثاق جمالٍ جديد. الشاعر يذكّرنا بأن ننظر بعينين مختلفتين: عينٌ ترى الواقع كما هو، وأخرى تتخيله كما يمكن أن يكون. وفي تلك المسافة المتوترة بين الكائن والممكن، تولد كل فكرة جديدة، وكل شرارة ثورية، وكل حلم لم يجد لغته بعد.

 

وهكذا يتبدّى أن الشعراء، رغم هشاشتهم، هم الحراس الصامتون لسرّ الوجود: يتركون لنا إرثًا من الأسئلة أكثر من الأجوبة، ويذكّروننا أن اليقين ليس غاية، بل خطر. وأن الجمال الحق يختبئ في السؤال الذي يهزّنا من الداخل، لا في الجواب الذي ينيمنا على وسادة الارتياح. القصيدة، مهما اكتملت، لا تُغلق بابًا؛ بل تدعونا إلى بابٍ آخر، وتفتح في الروح حفرة ضوء جديدة تستدعي مزيدًا من التأمل.

 

وهكذا تظل الكلمات تتحول، من ظلالٍ إلى نجوم، ومن نجومٍ إلى دروب، ومن دروبٍ إلى ثورات صغيرة تغيّر تاريخنا الداخلي. وكل قارئ - أيًا كان - يجد طبقة جديدة تحت كل طبقة، وطبقة أبعد بعد كل طبقة. وفي النهاية، ليست القصيدة خاتمةً لشيء، بل شرارة لطريقٍ لم يُكتَب بعد... طريق نسير فيه معًا، خطوة بعد خطوة، بين حفرة الضوء وصدى الكلام.

 

جهاد غريب

نوفمبر 2025

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الهندسة الرمزية: ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة

  الهندسة الرمزية   "ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة"   في صمت المتاحف الكبرى، خلف زجاج مقاوم للرصاص وتحت إضا...