الأحد، 30 نوفمبر 2025

في رحاب الوجود: حين يتكلّم الصمت وتخفق الأسئلة

 

في رحاب الوجود: حين يتكلّم الصمت وتخفق الأسئلة

 

"ملحمة النبض السائر في دروب الظل والضوء"

 



 

لا أحد يعرف من أين يبدأ الوجود.

ربما يبدأ من رعشةٍ خفيةٍ تسري في عظام الزمن، أو من رمقٍ أول للضوء وهو يشقّ ستار العدم. وربما يبدأ من تلك اللحظة التي يدرك فيها القلب أنه ليس مجرد مضخة دم، بل شاهد يحمل أسرارًا أكثر مما يحتمل، ويخفي صرخاتٍ لا يعرف العالم كيف يصغي إليها. وإذ نتأمل هذا البدء المراوغ، ندرك أن كل ميلادٍ في الحقيقة مشروط بسؤال، وأننا لم نأتِ من باب الزمن فحسب، بل من باب الحيرة الذي يظل مفتوحًا في وجوهنا منذ اللحظة الأولى.

 

ومع اتساع هذا الباب، تتكشف لنا حقيقة أخرى: أننا لسنا أبناء اللحظة... نحن أبناء السؤال. وكل سؤال هو سيفٌ قديم خرج من غمده منذ قرون، يبحث عن يدٍ تعرف معنى القتال. ففي داخل كل واحد منا ساحةٌ مفتوحة للمعارك؛ معارك بين الضوء والظل، بين اليقين والشك، بين ما نظنه نحن وما يرغب الوجود أن نكونه.

 

ومع ذلك، لا يروي الوجود حكاياته بوضوح، بل يرسمها رموزًا؛ كأن السماء ليست سماء بل إشارة، وكأن البحر ليس ماءً بل وعيٌ يطفو حينًا ويغرق حينًا، وحتى الخطوات التي نتركها على التراب ليست آثارًا، بل نصوصًا يحاول الكون أن يقرؤها على مهل.

 

ومع امتداد هذه الرموز التي تُنقَش حولنا، نمضي في المسيرة دون أن ندري إلى أين. نركض وراء أحلام نعتقد أنها لنا، بينما تمضينا هي نحو مصائر لم نفهمها بعد. كل دربٍ نخوضه ليس مجرد طريق، بل اختبارٌ للعمق الذي نملكه، وللجرح الذي نخفيه، وللحكمة التي لم تولد بعد. وفي منتصف هذا الركض، يلوّح الوجود بيده، لا ليهدينا، بل ليخبرنا بهدوءٍ ساخر أن كل الطرق تؤدي إلى قلبنا، وأن البحث عن الوجهة يبدأ من الداخل قبل الخارج.

 

وحين ننصت لهذه الإشارة، نكتشف أننا لسنا سوى خيوط في نسيجٍ أكبر. تتشابك، وتتقاطع، وتتمزق، وتُخاط من جديد. وكل خيط يحمل لونًا لا يشبه لون الآخر. نعيش داخل نسيجٍ لا نرى شكله الكامل، لكننا نشعر بارتعاشاته حين يشتد الريح، ونسمع صوته حين يقترب الليل كثيرًا من وجوهنا. وفي هذا النسيج الواسع، لا أحد منفصل؛ فكلنا أصوات في قصيدة طويلة، ووجوه في مرآة واحدة، وخطوات في قلب واحد لا نعرف اسمه.

 

ومع تتابع الخيوط، نفهم أن حياتنا أشبه برواية لا تكتمل. لا توجد رواية نهائية، فكل فصل يُكتب ثم يُمحى، وكل صفحة تُقلب قبل أن تجف حروفها. وعندما نظن أننا بلغنا خاتمة ما، ينفتح بابٌ آخر لا يؤدي إلا إلى بداية جديدة. وربما لهذا يحاول الإنسان إعادة كتابة مسودته مرارًا؛ لأن النسخة الأولى لم تقنعه، والنسخة الأخيرة لم يصل إليها بعد، ولأن الوجود نفسه يعيد ترتيب الأحداث كي يبقينا مشدودين نحو ما لا نعرف.

 

ثم، وبينما تتداعى الفصول وتتقاطع المصائر، نتوقف أمام شيفرةٍ خفية تسكن الأشياء. نظرة غريبة، لحظة صمت، صدفة صغيرة... تبدو بلا معنى، لكنها تحمل رسائل لا تُفكّ بسهولة. ولعل السر أن الوجود لا يقدّم شفرته لمن يطاردها بعينيه، بل لمن يبحث بقلبه. فالقلب يعرف كيف يترجم لغة الظلال، ويقرأ العلامات فوق صفحة الريح، ويفك لغز الضوء حين يسقط على الوجوه المتعبة.

 

ومن هذه الشيفرة تنبثق الدروب. دروب مستقيمة تطمئن، وأخرى ملتوية تربك، وثالثة مظلمة تبدو كأنها نهايات بينما هي بدايات مقنّعة. وهناك دروب لا يعرفها إلا من تجرّأ على المشي وحده، ومن أصغى جيدًا إلى وقع خطواته، واكتشف أن الأصوات التي يخشاها ليست سوى أصداء روحه، وأن الطريق ليس ما يسير عليه، بل ما يستيقظ فيه.

 

وعلى أطراف تلك الدروب، يشتعل الرماد. فكل رماد يخفي نارًا ناعمة تنتظر نفسًا واحدًا لتعود. تحت كل رماد دُفن سرٌ ما: حلم سقط، أمنية تكسّرت، حبٌ لم يكتمل... لكن العجيب أن الرماد لا يموت. إنه يحتفظ بنبضٍ صامت، لا يعلن نفسه إلا حين نكون مستعدين للاحتراق من جديد. كم مرة انهارنا؟ وكم مرة اكتشفنا أننا لم ننته؟ فالوجود لا يكسرنا، بل يزيل طبقاتٍ لا نحتاجها، حتى نرى أنفسنا كما يجب أن نكون: عرشًا من جمر لا يخاف اللهب، وكأننا نولد من رمادنا، مرة تلو الأخرى.

 

وحين ينكشف هذا الجمر في الداخل، يحدث ما هو أعمق: يصمت العالم، وتتوقف الضوضاء، وتبدأ الأصوات التي نحملها في الظهور. عند تلك اللحظة يصبح القلب شاهدًا لا يكذَّب؛ شاهدًا على ما أحببنا وما فقدنا، على ما صدّقنا وما خذلنا، على الضوء الذي مرّ بنا دون أن ننتبه، وعلى الظل الذي حملناه دون أن نسأل عن وزنه.

 

القلب ليس شاهدًا فحسب، بل مرآة الوجود حين ينعكس فيه كل شيء... من أول رعشة إلى آخر سؤال، من أول خطوة إلى آخر دهشة، من أول نبضة إلى آخر صمت. وهكذا نبقى، بين النبضة والصمت، نترجم كونًا لا ينتهي.

 

 

جهاد غريب

نوفمبر 2025

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الهندسة الرمزية: ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة

  الهندسة الرمزية   "ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة"   في صمت المتاحف الكبرى، خلف زجاج مقاوم للرصاص وتحت إضا...