الخميس، 27 نوفمبر 2025

من التهميش إلى القوة: رحلة تحويل الألم إلى أمل

من التهميش إلى القوة: رحلة تحويل الألم إلى أمل

 

"كيف تتحول المعاناة العاطفية إلى مشروع إنساني يمس حياة الآخرين"

 




كانت طفولة تذوي في صمت، كل ابتسامة تمنح لأختها تبدو كطعنة في القلب. اليوم، تزهر مراكز الخير بفضل كل دمعة ذرفتها.

 

في عوالم تتنكر للمشاعر وتتحيز في توزيع العطف، تنشأ معاناة خفية تشبه جرحًا نازفًا في صمت. إنها معاناة "التمييز العاطفي"، حيث تُمنح إحدى البنات دفء المشاعر واهتمام القلوب، بينما تُترك الأخرى في ظلٍّ بارد من الإهمال، تتحرك في محيط البيت أكثر مما تتحرك في القلب. هذا التمييز لا يقل قسوة عن الحرمان المادي، بل قد يفوقه ألمًا، لأنه يضرب في صميم الحاجة الإنسانية الأساسية إلى الحب والتقدير.

 

لكن هذا الجرح الشخصي، بدل أن يتحول إلى ندبة دائمة، يمكن أن يصبح محركًا للتغيير. فـ "النمو بعد الصدمة" - كما تسميه العلوم النفسية - لا يعني مجرد التعافي، بل التحول إلى كائن أكثر قوة وحكمة. فالمرأة التي ذاقت مرارة التهميش العاطفي تعرف جيدًا كيف تؤلم الوحدة، وتعي بالضبط كيف ينهش الحرمان من الشعور بالكرامة. وعندما تصل إلى قاع الألم، تكتشف في داخلها قدرة على تحويل هذا الوجع إلى مشروع إنقاذ لنساء يشبهنها. فلنتأمل في تلك الشابة التي حولت غرفتها المعزولة إلى منصة دعم إلكترونية، ثم إلى مؤسسة حقيقية لتمكين الفتيات المحرومات من العاطفة. هكذا تتحول المعاناة الفردية إلى رسالة جماعية، والوجع الشخصي إلى ملاذ للنساء اللواتي يعانين من الألم نفسه.

 

هذا التحول ليس مجرد رد فعل عاطفي، بل هو فعل مقاومة وجودي. إنه رفض للصورة النمطية التي تريد المرأة ضحية دائمًا، وإعلان قدرتها على تحويل مسار الألم من طريق مسدود إلى جسر للعبور. عندما تؤسس المرأة مساحة آمنة لضحايا العنف، أو تطلق مشروعًا يدعم المهمشات، فهي لا تقدم خدمة اجتماعية فحسب، بل تعيد تعريف معنى القوة والنجاة. النجاة هنا لا تعني الهروب من الماضي، بل مواجهته وتحويله إلى طاقة للتغيير.

 

ورحلة الألم إلى الفعل، على صعوبتها، تظل ممكنة؛ فهي تبدأ حين نتمكن من تسمية جرحنا والاعتراف به، ثم نعيد تأطير قصتنا الشخصية لنتجاوز وضع الضحية، ونسمو بتحويل وجعنا إلى فعل متعمد وهادف، ليصبح فيه الألم نفسه وقودًا لخطة عمل منظمة تخلق من المعاناة مشروع حياة.

 

المرأة التي تخوض هذه الرحلة لا تشفى فحسب، بل تصنع الشفاء للآخرين. لا تنتظر التعويض عما فقدته، بل تمنح ما حُرمت منه. وهنا بالضبط يكمن التحدي المجتمعي: مشاريع هؤلاء النساء ليست مجرد مساعدة للضحايا، بل هي اتهام صريح للمجتمع الذي سمح لهذا الألم أن يحدث.

 

"الندبة ليست دليلًا على الضعف، بل هي خريطة القوة الجديدة". إن المعاناة التي نتحملها، عندما نختار تحويلها إلى فعل إيجابي، تُنشئ لدينا قدرة إنسانية جديدة؛ القدرة على أن نمنح تحديدًا ما حُرمنا منه. هذا التحول ليس مجرد شفاء شخصي، بل هو تصحيح للمسار الاجتماعي؛ رسالة قوية بأن القوة لا تكمن في تجاهل الألم، بل في إعادة تدويره إلى أمل يضيء دروب جيل كامل. وهكذا، تتحول المرأة من متلقية لظلم عاطفي إلى مهندسة للحياة، ومن مهمشة إلى مركز إشعاع، لأنها أدركت أن النور الحقيقي يصنع في عمق الظلام.

 

 

جهاد غريب

نوفمبر 2025

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الهندسة الرمزية: ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة

  الهندسة الرمزية   "ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة"   في صمت المتاحف الكبرى، خلف زجاج مقاوم للرصاص وتحت إضا...