الخميس، 27 نوفمبر 2025

ثورة الإطلالة: حين تُقزّم البناياتُ عظَمة الشمس

 

ثورة الإطلالة: حين تُقزّم البناياتُ عظَمة الشمس

 

"مفارقة النجم الذي يطُلُّ بخجل ويُشرِقُ بيقين"

 


 


من نافذةٍ ضيقة، محفوفة بأسوار الإسمنت الصامتة، كنتُ أشهدُ الجريمة الكونية!

 

في الفجر، حين يفترض أن تفيض السماء بالبهاء، لم تشرق الشمس كما عهدناها -اقتربت "تطُلُّ" بخجلٍ - وكأنها لِصٌ متوجّس، أو كائنٌ خجولٌ يخشى المصادفة، دَسّت النجمةُ العظمى رأسَها الذهبي خلف الأبراج الشاهقة التي زرعناها غرورًا في خاصرة الأفق.

 

لقد بدا المشهدُ كلُّهُ سخريةً مُرّة: فكيف لهذا الكوكب الناري الذي يغمرُ المجرات بصدحه، ويُقسمُ الحياةَ على الأرض والكواكبِ الأخرى، أن يرتضيَ فعلَ "الطلوع" الهشّ؟ هل كلمةٌ واحدةٌ كهذه، "تطُلّ"، يمكنُ أن تختزلَ عظمةَ هذا الفيضانِ الضوئي، فتُقلّلُ من شأنِه وتحُدُّ من بهائه اللامتناهي؟ في تلك الإطلالةِ الحذرة، بدأت تتفتقُ أسئلةٌ ثائرةٌ حولَ العظمةِ المُقزَّمة، واللغةِ التي تُخفي بدلًا من أن تكشف.

 

إنّ في وصفِ الشمسِ بأنها "تطُلّ" استخفافًا غير مقصودٍ يمسُّ كبرياءَ الكون. فالشمسُ ليست "خجولةً" حتى تتوارى خلفَ مكعباتِ الإسمنتِ الباردة. هي ليست كيانًا متلصصًا يتسللُ إلى يومنا بجزءٍ من نوره، وإنما هي النارُ الأزلية، وهي المصدر الذي يصدحُ ضوؤهُ في المجرة بأسرها.

 

العظمةُ لا تحتاجُ إلى إذنٍ لتفيض، ولا يُلغي حضورها مجرّدُ حائلٍ ترتفعُ قاماته لتلامسَ الهواء. إنّ ما يبدو لنا "طلوعًا" حذِرًا هو في الحقيقةِ مدارٌ كونيٌّ حتميٌّ، لا تتأثرُ قوانينهُ الساميةُ ببنايةٍ شاهقةٍ صنعناها من طينٍ وظل.

 

هي إذن ليست الشمسُ من ضعُفت، لكن هي نظرةُ الراصد التي قزّمت المشهد. فالبناياتُ التي تحجبُ ضوءَها ليست سوى نقطةٍ في خريطةِ نفوذِها الهائل، وهي ذاتُها تستمدُ وجودها وثباتَها من نِعَمِ هذا النجمِ الذي تُحاولُ عبثًا أن تحجبهُ بظلها.

 

إنّها إذ "تطُلُّ" على عالمنا الخافتِ من وراءِ هذه الحجب، تكون في اللحظةِ ذاتها تغمرُ بحرًا من الكواكبِ الأخرى في صمتٍ مجرّيٍّ عظيم. إطلالتُنا عليها ليست سوى ومضةٍ عابرةٍ في رحلتها الأزلية التي لا تعترفُ بحدود.

 

إنّ تلك البناياتِ الشاهقة، التي امتدت بقاماتها الفارهة لتحجبَ الجزءَ الأعظمَ من قرصِ الشمسِ المُشتعل، ليست مجردَ كتلٍ من حجر. إنها رمزٌ لغطرسةِ الإنسان في محاولته الدائمة لفرضِ حدودِه على ما هو مطلقٌ ولا محدود. هي تجسيدٌ لمغالاتِنا في تضخيمِ الذات، حتى ظننّا أن حواجزنا التي تُلقي ظلالًا على الأرض قادرةٌ على محاصرةِ النورِ الذي يغمرُ المجرة.

 

والحالُ أن المواجهةَ هنا غيرُ متكافئةٍ حدَّ السخرية: فالإطلالةُ الجزئيةُ للشمس، من خلفِ هذه الجدرانِ السميكة، لا تُشيرُ إلى ضعفِها، بل تُبرزُ سخفَ محاولةِ الحجبِ نفسها. إنّ تلك الحواجز، التي حجزت المتبقي من قرصِ النورِ، لم تفلح إلا في زيادةِ الإبهارِ لذلك الجزءِ الظاهرِ المُنتصر، الذي يمزقُ الظلامَ بخيوطٍ ذهبيةٍ خارقةٍ لسطحِ البناية.

 

الشمسُ تطُلُ لتُعلنَ أن وجودَها لا يرهنُهُ غيابٌ، وأن محاولاتِنا لتقييدِ الأفقِ هي مجردُ خطوطٍ عابرةٍ على لوحةِ الدوامِ الكوني.

 

لعلّ السرَّ الأعظمَ يكمنُ في إعادتنا قراءةَ هذا الفعلِ المُستغرب. ففيما كنا نراهُ ضعفًا وتقزيمًا، قد يكونُ فعلُ "تطُلّ" هو قمةُ العظمةِ المتعمّدة، وإعجازُ الدلالةِ الذي لا يُفنى. فطلوعُها ليس نهايةً، هو الحرفُ الأوَّلُ في قَصيدةِ النهارِ الطويلةِ، وهو النغمةُ التمهيديةُ في سيمفونيةِ الضوءِ التي لا تهدأ. إنها الجَرَسُ الذي يقرعُ مُعلنًا قدومَ العاصفةِ الضوئيةِ التي ستعمُّ كلَّ شيء.

 

إنّ "الإطلالةَ" تحملُ في ثناياها معانيَ الوعدِ والترقّبِ، فهي ليست فيضانًا يغمرُ دفعةً واحدةً، هي وميضٌ يُبصَرُ أوَّلًا، يُبشِّرُ بالدفقِ الكونيِّ القادم. إنها لا تُشرقُ بالكاملِ، بل تَعِدُ بالإشراقِ؛ تُرسلُ جزءًا من رأسِها الذهبيِّ لتُنبّهَنا إلى أن كلَّ ما هو عظيمٌ لا يظهرُ إلا على مراحل. وأنّ الحقيقةَ المطلقةَ (وهي الإشراقُ الكامل) لا تُوهَبُ إلا لمن استعدَّ لاستقبالِها.

 

وكما أنَّ الحضاراتِ لا تولدُ بين ليلةٍ وضحاها، بل "تطُلُّ" ببواكيرها قبلَ أن تُشرقَ بأمجادها، وكما يتفتَّحُ الوعيُ الإنسانيُّ خيطًا ضوئيًا قبلَ أن يكونَ فيضانًا، هكذا شاءتْ حكمةُ الشمسِ أن تطُلَّ علينا أوَّلًا لنستوعبَ عظمتها بالتدريج.

 

هكذا يتحوّلُ الفعلُ من دلالةِ الضعفِ والتواري، إلى دلالةِ التحدّي واليقينِ بالمصيرِ. فـ "طلوعُ" الشمسِ يُشبهُ فكرةَ الأملِ الثائرِ: هو لا يهبُ نفسَهُ كُلًّا، لكنه يمنحُكَ مُقدِّماتِه القوية، ويتركُ لكَ حريّةَ الاندهاشِ والاستغرابِ من كيف تُفرّخُ هذه الكلمةُ الواحدةُ هذا الكمَّ الهائلَ من المعاني والجملِ والعبارات. إنها لا تبخلُ بالنورِ، بل ترحمُ أعينَنا المحدودةَ من عمى البهاءِ المفاجئ.

 

في نهايةِ هذه الرحلةِ الفكريةِ، لم تَعُدْ كلمةُ "تطُلّ" تضعُفُ من هيبةِ الشمسِ، لكنها باتتْ تكشفُ عن جوهرِ المفارقةِ. لقد أدركنا أنَّ الشمسَ لم تتنازل عن عظمتها، ولكنَّ رؤيتنا نحن كانت محاصرةً بزوايا الأبنية الشاهقة والقيودِ التي وضعناها حولَ الأفق. إنَّ إطلالةَ الشمسِ الجزئية، من وراءِ الحجبِ، هي في الواقعِ دعوةٌ ثوريةٌ لإعادةِ تقييمِ كلِّ شيءٍ نظنُّه "كاملًا" أو "ناقصًا".

 

ولعلَّ الكلمةَ ذاتَها -"تطُلّ"- ليست نقصًا في الجرمِ السماويِّ، وإنما هي شَهادةٌ على فقرِ لُغتِنا البشريةِ، وعجزِ مُفرداتِنا عن احتواءِ عظمةٍ لا تُدركُها العيونُ دَفعةً واحدةً. فكلما اتسعتِ الظاهرةُ ضاقتِ الكلماتُ.

 

الكلمةُ الواحدةُ التي ظنناها تقزيمًا، فرّختْ في وعينا معانيَ عظيمةً لليقينِ والوعدِ. فلتنظرْ أيها القارئُ إلى كلِّ "طلوع" في حياتك؛ ليس كحالةٍ من النقصِ أو الضعف، بل كإعلانٍ عن بدايةٍ عظيمةٍ، ووعدٍ بفيضانٍ قادمٍ، وكبرهانٍ على أنَّ أعظمَ الحقائقِ الكونيةِ قد تظهرُ لنا أولًا في هيئةِ إطلالةٍ حذرة، تحملُ معها النورَ الكاملَ واليقينَ المطلقَ.

 

 

جهاد غريب

نوفمبر 2025

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الهندسة الرمزية: ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة

  الهندسة الرمزية   "ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة"   في صمت المتاحف الكبرى، خلف زجاج مقاوم للرصاص وتحت إضا...