بيان للقلم في زمن المرايا المائلة
"تبرئةُ
الكاتبِ من شُبهةِ التَّوجُّهِ الشَّخصيِّ"
"ماذا يحدث
عندما يتحول القلم من أداة تحرير إلى سلاح اتهام؟ عندما تتحول الكلمات من جسر
للتواصل إلى متاهة من سوء الفهم؟ هذا البيان ليس مجرد رد، بل هو إعادة تعريف
للكتابة نفسها. إنه صرخة في وجه ثقافة الاشتباه التي تحول النصوص إلى محاكم،
والكتّاب إلى متهمين. هنا، لن تدافع الكلمات عن نفسها فحسب، بل ستكشف عن ذلك
الانزياح الخفي في قراءتنا جميعًا، حين ننسى أن النص مرآة لألمنا المشترك، وليس
شفرات سرية لصراعاتنا الخاصة".
ليس القلم سوى
نبضٍ من نبضات الوجدان، أو صرخة في برية الصمت. إنه ذلك الكائن الهشُّ الذي يتشكّل
من رحم الوحدة، ليكون جسرًا فوق هوة العزلة التي تفصل بين روحٍ وأخرى. لكن هذا
الجسر لا يُبنى من قشور العواطف، ولا يطلب من عابريه التصفيقَ أو الاستجداء.
إنه أقرب إلى
نذيرٍ يأتي من أعماق الكهف حاملًا شعلةً واحدة: شعلة الحقيقة. حقيقة الألم
الإنساني المشترك، ذلك النهر الجوفي الخفي الذي يربط بين كل القلوب النازفة، حتى
قبل أن تتعارف. فالكتابة، في جوهرها الأصيل، هي بحثٌ عن هذا النهر، لا عن قطرات
الدماء التي تسيل على الصخور فوقه.
يكتب الكاتب
النزيه بنزاهة المُنقِّب عن جوهرة الضمير، لا بنهم جامعي التُّحف والغرائب.
قلمه ليس كاميرًا تتلصص على الحياة الشخصية، بل هو نظرةٌ شاملةٌ ترفع السقف عن
الغرف المغلقة لتُظهر السماء التي تظلِّلنا جميعًا.
قد يفتح أبوابًا
قديمة، لكنه يفعل ذلك بيد الخبير الأمين الذي يعرف ثقل الخشبة وصرير المفاصل، لا
بيد التاجر الذي يبيع أسرار الغرف لمن يدفع أكثر. لأن الكتابة صوتٌ يخرج من
أعماق القلب ليُفهم، وليست خنجرًا يُطعن به من وثق.
ولهذا، فإن أي
حدةٍ قد تراها في سطور كاتب نزيه، وأي غضبٍ يلمع كالبرق في ليالي نصوصه، فاعلم أنه
غضب النزاهة. إنه الغضب الذي يثور عندما تُختَزل الحقيقة في هوىً شخصي، أو
عندما يُحشر الكون الواسع في زنزانة ذات ضيقة. إنه غضب الكاتب الذي يحمي صدقه من
عبث العابثين، لا غرور المتفاخر بعبقريته. إنه الدفاع الأخير عن طهر الحرف
قبل أن ينزل إلى السوق.
وهنا تكمن
المأساة الكبرى: أن يتحول هذا الجسر النوراني إلى مرايا مائلة. فكل قارئٍ يأتي إلى
النص حاملًا ظله الخاص، فيظن أن الخيالات التي ترسمها المرآة هي أشباح النص
نفسه! يقرأ الكلمات وكأنها شفرات سرية موجهة إليه وحده، فيرى خوفه حيث لا يوجد
إلا الوحشة الكونية، ويلمح خياناته حيث لا يوجد سوى ألم الخذلان
الإنساني الممتد. بينما يمرُّ الآخرون على النص نفسه، فيرون فيه نافذةً على
بحرٍ من المشاعر يتشاركونها مع ملايين البشر.
فالتجارب
الإنسانية تتقاطع، لكن قلما تتطابق. حين يكتب الكاتب عن جرح، فهو لا يحدد اسم
الجريح، بل يصف طبيعة الألم. هو جرحٌ إنسانيٌّ ممتدّ، يشترك فيه الغائب والحاضر،
القريب والبعيد. لكن سوء الفهم يحوِّل هذا المعبد الواسع إلى محكمة ضيقة. تُفسَّر
الرموز كإشارات، وتُحَوَّلُ الكلماتُ إلى أدلةٍ، ويُستجوب الكاتب وكأنه متهمٌ
في قصة لا بطل لها سوى وهم الضحية.
وهذا هو أعمق
أشكال الظلم. أن يُظلَمَ كاتب، لا لأنه ارتكب ذنبًا، بل لأن الظنَّ تحوّل إلى
حقيقة، والاحتمالُ البعيدُ تحوّل إلى اتهامٍ مُطلق. أن تُحاكم روحه بناءً على
ظلالٍ في عيون الآخرين، لا بناءً على النور الذي بذلته.
في هذا المشهد
المُشوَّش، يتحول الجمهور في مخيلة الكاتب المتوجس إلى مراقبٍ شامل، قاضٍ لا
يغفو. لكن هذه هي الوهم الأكبر. فبوصلة النص الحقيقية تتجه دائمًا نحو الحقيقة
الإنسانية المجردة، وليس نحو القارئ الأكثر حساسية أو الأسرع تأثرًا. ذلك الجمهور
الذي يُخشى رضاه أو غضبه، هو في معظمه وليد الخوف، شبحٌ يُصنع في الغرف المظلمة ثم
يُعبد.
الكتابة الحرة
مسؤولية، وأولى خطواتها هي تحرير النص من رقابة هذا الوهم. وهي مسؤولية تقتضي احترام
مسافات الكرامة، أن يكتب الكاتب بوعيٍ يترك للقارئ مساحةً يتنفس فيها، مساحةً
للتأويل والتلقي، دون أن يشير إليه بإصبع قائدٍ أو قاضٍ. يقدم العالم، لكنه لا
يفرض خريطة واحدة لاجتيازه.
وهذه هي الحقيقة
المؤلمة لكن الواجبة: الجمهور يقرأ النص، لا الحياة. إنهم يمرون على الكلمات،
يتذوقون الموسيقى الخفية بين السطور، ويتأملون الصور، ثم يمضون. أما حياة
"الأبطال" المفترضين، فتبقى سرًا مغلقًا في قلب الكاتب، أو في قلب من هم
معنيون بها حقًا. النص هو الابن الشرعي للكاتب، وعندما يخرج إلى العالم،
فإنه يحمل اسمه هو فقط، لا أسماء آبائه الخياليين.
لذلك، سيظل
الكاتب الحقيقي ممسكًا بقلمه بهذه النزاهة الغاضبة. سيظل يكتب عن الألم
المشترك دون أن يبيع سرًا. سيظل يرفع صوته من أعماق قلبه، دون أن يحوّله إلى خنجر.
وسيظل يتحمل ألم أن يرى كلماته تُقرأ كمرايا مائلة، لأنه يؤمن أن بعض
الظلال، مع الوقت، قد تدفع قارئًا ما إلى أن يلتفت أخيرًا نحو مصدر النور نفسه.
فالكتابة، في
النهاية، هي شجاعة مواجهة الصدى، وثقةٌ بأن الحرف النزيه، عاجلًا أم آجلًا،
سيجد أذنًا تعرف أن ما تسمعه ليس إلا صدىً لألمها هي، وليس صفعةً من قلمٍ لا
تعرفه.
جهاد غريب
نوفمبر 2025

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق