في موازين
القيمة: حين يصير العطاءُ جرحًا
"بين بذل
الجهد وغياب التقدير.. معادلة إنسانية مكسورة"
أيها الإنسان،
أينما كنت.. ألقِ سمعك وقلبك إلى هذه الكلمات، فهي ليست حروفًا تُقرأ، بل نبضٌ
يبحث عن صدى في أعماقك. في هذا العالم الواسع، حيث تتصارع القيم وتتبدل الموازين،
ثمة معضلة تؤرق النفس وتجرح الكرامة: لماذا يُقاس قيمة العطاء بثمنه المادي، لا
بعمق جهدهِ وجمال بذله؟
ها هو العمل
يولد من رحم الهمة، متكامل الأركان، شامخ المعنى. عملٌ أُنجز بتفانٍ يلامس حدود
الكمال، فجاء تحفة فكرية تجمع بين دقة البحث وروعة العرض، بين عمق المقال وبراعة
التصميم، بين سلاسة الأفكار وإتقان الشرح. كل عنصر فيه كان حرفًا في قصيدة إبداع،
وكل جزء كان لبنة في صرح تم بناؤه بسهر الليالي وعرق الجبين. إنه العطاء في أبهى
صوره: طوعيًا، مجانيًا، نابعًا من إيمان صاحبه بأن المعرفة يجب أن تُهدى لا أن تُباع.
لكن القلوب التي
وصلها هذا العطاء، لم تبذل من الجهد في تلقيه ما بُذل في تقديمه. اكتفت بكلمة
عابرة "جيد" تُقال وكأنها صدقة! وكأن العين لم ترَ سوى القشرة، ولم تلمس
الجوهر. وكأن الأذن لم تسمع إلا همس الموج دون أن تغوص إلى أعماق البحر. أليس من
الجور أن نبذل من أنفسنا القليل لتلقي عطاءٍ بُذل فيه الكثير؟
ها هو السؤال
المؤلم يطل برأسه: هل كان رد الفعل ليتغير لو كان ثَم ثمن مادي يدفع؟ عندها لتحول
التلقي من استسهال إلى ترقب، ومن إهمال إلى متابعة، ومن تلقي عابر إلى دراسة
متأنية. عندها لصار كل حرف يُقرأ بتمعن، وكل فكرة تُوزن بميزان، وكل جهد يُقدر
بقدره. المال -يا للأسف- يصنع من المستفيد حارسًا شديدًا، يصنع منه قاضيًا دقيقًا،
يصنع منه شريكًا مهتمًا.
إنها المعادلة
المقلوبة: فما يُقدم مجانًا يُعتبر "هبة" لا قيمة لها، وما يُدفع ثمنه
يصير "استثمارًا" ثمينًا. وكأن القيمة الحقيقية لم تعد في الجهد
المبذول، ولا في الفائدة المتحققة، بل في السعر المدفوع فقط! أليست هذه إهانة للعقل
وللضمير معًا؟
إن العطاء
المجاني هو أصدق أنواع العطاء، لأنه يخلو من المساومة، وينزع عن نفسه رداء
المصالح. هو العطاء الذي يأتي من قلب مؤمن بقيمة ما يقدم، وراغب في أن يعم نفعه.
هو العطاء الذي يضع الإنسان في أرقى مراتبه، حيث يصير البذل غاية لا وسيلة، والتفاني
قيمة لا سلعة.
فلماذا -إذن-
نُجيد كبشر أن نقدِّر ما ندفع ثمنه، ونسيء تقدير ما يُقدم لنا بلا ثمن؟ لماذا نصير
جاحدين أمام الإحسان، مقدرين فقط لما يُشترى بالدرهم والدينار؟
إنها أزمة ضمير
قبل أن تكون أزمة تقدير. أزمة إنسانية تفرق بين قيمة العمل وقيمة ثمنه. فالجهد
المبذول في العمل المجاني هو ذاته الجهد المبذول في العمل المدفوع، بل قد يزيد
لأنه نابع من دافع ذاتي أسمى. فلماذا النظرة المختلفة؟ لماذا التلقي والتقدير المختلف؟
إن كلمة "شكرًا"
قد لا تساوي في الميزان المادي شيئًا، لكنها في ميزان القيم الإنسانية تساوي كل
شيء. هي الاعتراف بالجميل، والتقدير للجهد، والاحتفاء بالعطاء. هي الرد الإنساني
الأصيل على بذل الإنسان. فلماذا نُقصر في أداء هذا الحق البسيط؟
أيها العقل
الجمعي للإنسانية..
إن الدنيا لا
تصلح إلا بوجود توازن بين العطاء والتقدير. فحين يبذل إنسانٌ جهده، ويقدم خلاصة
فكره، ويكرس وقته من أجل آخرين، فإن أقل حقوقه أن يجد التقدير والاحترام. ليس
التقدير المادي بالضرورة، بل التقدير المعنوي الذي يرد للعطاء اعتباره، وللبذل
قيمته.
فلنغير هذه
الثقافة.. ونعيد للعطاء المجاني مكانته، ونبذر في عالمنا بذور التقدير والاحترام
لكل جهد يبذل، بغضِّ النظر عن ثمنه الظاهري. فلنجعل من كلمة "شكرًا"
عُملة نقدِّر بها كل عطاء، ولنصنع من احترام الجهد قيمةً إنسانيةً عُليا.
تذكّروا..
العطاء بلا
تقدير.. هو كالغرس بلا ماء، سرعان ما يذبل ويضيع.
وهو كالصدى بلا
صوت، يضيع في وادٍ سحيق.
وهو كالضمير بلا
نبض، يصير جثة هامدة في عالم الأحياء.
ألا فلنحفظ
للعطاء قيمته.. ولنحفظ لأنفسنا إنسانيتنا.
جهاد غريب
نوفمبر 2025

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق