الأحد، 30 نوفمبر 2025

أناشيدُ الظلِّ والنور

 

أناشيدُ الظلِّ والنور

 

"تأمّلاتٌ في الوهج الباطن وجماليات الضوء الخفيّ"

 


 


ثمّة ضوءٌ لا يُرى. ليس ذلك الحادّ المنبثق من المصباح، ولا ذلك الخافق المتناثر من الشمعة. إنّه ضوءٌ آخر، ينبض في صمت، ويتنفس من خلال مسامّ الوجود، كشرارةٍ أولى ما زالت تحت رماد الزمن. إنّه النور الذي نحمله في أعماقنا، القابع هناك كجوهرةٍ مطمورة في صدَفة من ظلام. هو حضورٌ غائب، يضيء دون أن يبدّد العتمة، بل يعانقها ليشكّل منها لوحةَ الظلّ والنور التي نسميها حياة. فالظلّ هو الوعاء الذي يحتضن النور، والنور هو الحقيقة التي لا تتجلّى إلا بامتزاجها بالظل. وفي هذه العتمة المضيئة، يتحوّل الغياب إلى حضور، والعمى إلى بصيرة.

 

هذا الضوء الخفيّ لا يطمح لأن يكون شمسًا تذيب ظلام العالم، بل يشبه شمعةً موؤودة تحترق في قاع البئر. إنّه يضيء لمن يغوص في أعماق نفسه، لا لمن يطلب البصيرة في عيون الآخرين. وما يبثّه في الوجود ليس ضياءً، بل صدىً لمدى استعدادنا لاستقباله؛ بصمته الوحيدة هي توقيعه الهادئ على كل ما نراه. إنّه ضوءٌ لا يبدّد العتمة، بل يمنحها معناها. هو الومضة التي تكشف أن في القطبين سرًّا للجمال، وأن في الصمت نغمًا لا يُسمع، لكن القلب يرقص عليه. فهل نغادر هذا النور حين نرتبك، أم هو الذي يتوارى حين نعجز عن رؤيته؟ أم أنّه يبقى ثابتًا كالنجم القطبيّ، ونحن من نضيع عن مسارنا؟

 

وفي معبد الذات، حيث لا رهبان سوى الأسئلة ولا تراتيل سوى الأنفاس، يتردّد صدى ذلك النور. ليس صدىً عاديًا، بل يشبه وقع القطرات في كهفٍ رطب؛ كل قطرة تُعيد تشكيل الصوت، وكل ومضة تُعيد تشكيل الروح. في هذا المعبد الداخليّ، ندرك أنّ النور ليس ضياءً فحسب، بل حكايةٌ ترويها الذات لنفسها، بلغةٍ لا يفهمها إلا من أغمض عينيه ليرى. فالعين لا تبصر إلا السطوح، أمّا البصيرة فتنفذ إلى القيعان. وحدها المرآة الداخلية تكشف أن هذا النور الخافت ليس إلا ظلّ الحقيقة التي نحياها.

 

وهنا، في محراب الصمت، نسمع صوتًا آخر: صوتُ الصمت الأعظم. ليس صمت الفراغ أو العدم، بل صمت الامتلاء. ذلك الهدوء الذي يلي العاصفة، ويحمل في طيّاته همسات الكون بأسره. إنّه الصوت الذي يسمو فوق جميع الأصوات، صوت الذات الحقيقية التي لا تنطق إلا حين نصمت. وفي هذا السكون، غربة الضجيج الخارجي تتكشف، بينما ترتفع نغمة الروح، صافيةً شفافة. وللصمت لغته الخاصة؛ لعلّها أكثر اللغات صخبًا لأنها الوحيدة التي لا تحتاج إلى كلمات لتقول كل شيء.

 

وحين يبتسم القمر للعاصفة، تنكشف أعمق الدروس. ففي لحظات الاضطراب، حين تهدر رياح الحياة، تظهر أقوى جوانبنا. ابتسامة القمر للعاصفة استعارةٌ لهدوء الروح وسط الفوضى، واستمرار إشراقها رغم كل شيء. إنّه ذلك النور الداخليّ الذي يأبى الانطفاء، والذي يهمس دائمًا: لا شيء يدوم… لا العاصفة ولا الألم، ولكن النور فيك باقٍ.

ولقد كانت لي ليلةٌ سقط فيها القناع، وتكشفت الذات عن حقيقتها المجردة، وشعرت آنذاك بوزن ذلك الضوء في صدري؛ كنيزكٍ قديم سقط من السماء ليبدّد ظلماتي. أهو نور الماضي الذي يضيء حاضرنا؟ أم رجاء المستقبل الذي يهمس في أذن اللحظة؟ ربما هو كلاهما؛ شريان واحد يربط أزمنتنا في كينونة واحدة.

 

وفي النهاية، نكتشف أننا عابرون إلى النور. ليست رحلتنا سوى عبورٍ من ظلام الجهل إلى نور المعرفة الذاتية، من ضجيج العالم إلى صمت الحكمة. نحن مسافرون في دربٍ طويل، يحمل كلّ منّا مصباحه الخفيّ. والوصول ليس مكانًا، بل حالة وعي ندرك فيها أن النور الذي فتّشنا عنه في الآفاق، كان دائمًا هنا، في أعماقنا. هي رحلة العودة إلى الذات، إلى ذلك النهر الجوفيّ الذي لا ينضب، والذي يحمل في تياره الخفيّ كل أسرار وجودنا.

 

فلا تبحث عن النور خارجك؛ فربما تحملُه في قلبك وأنت تظنّ نفسك في الظلام.

هذه هي البذرة التي أتركها بين يديك:

أن النور الحقيقيّ لا يُرى بالعين بل بالقلب، ولا يُسمع بالأذن بل بالروح.

وهو، في النهاية، النشيد الخالد الذي نهمس به لأنفسنا حين ندرك أن أعظم الظلال تُولد من أعظم الأنوار.

 

 

جهاد غريب

نوفمبر 2025

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الهندسة الرمزية: ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة

  الهندسة الرمزية   "ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة"   في صمت المتاحف الكبرى، خلف زجاج مقاوم للرصاص وتحت إضا...