رقصة الدبلوماسية الأخيرة
كيف ينجو صاحب الرؤية من معركة
"العقل المُجرَّد" و"سهوب التفاصيل"؟
لكل فكرةٍ جناحانِ من نور، تحلِّقُ بهما في سماوات الخيال، بلا ثقلٍ
ولا قيود. هي كاللوحةِ المرسومةِ بألوانِ الحلم، تلمعُ وعدًا بالجمالِ والإنجاز.
ولكن، ثَمّةَ لحظةٌ حاسمةٌ لا بدَّ منها، لحظةٌ يهبطُ فيها هذا الملاكُ النورانيُّ
إلى الأرض، حيث تمتحنُهُ صخورُ الواقعِ وسُهُوبُ التفاصيل.
في تلك اللحظةِ بالذات، تُولدُ المعركةُ الصامتة.
إنها ليست معركةَ خيرٍ وشرّ، ولا حقٍّ وباطل، بل هي معركةٌ بين شغفِ
الرؤيةِ وروتينِ التنفيذ، بين لغةِ القلبِ ولغةِ العقلِ المُجرَّدة. يدخلُ صاحبُ
الرؤية، حاملًا بينَ كفَّيهِ شرارةً أولى، أضاءتْ في داخله. يأتي بها إلى من
يمتلكونَ مفاتيحَ الأبوابِ ومفاتيحَ الصنعة، ظنًا منه أنَّ الشرارةَ كافيةٌ
لإشعالِ النار.
لكن العوالمَ مختلفة.
فهناك، حيث تجلسُ "البيروقراطية" على عرشها المحاطَ
بالبياناتِ والأنظمة، يُنظرُ إلى كل شرارةٍ بعينِ الحذر. إنهم حراسُ الجوهر،
القائمونَ على هيكلِ المنظومةِ القائمة. يرونَ في كل فكرةٍ جديدةٍ زائرًا غريبًا،
قد يحملُ الهديةَ أو يحملُ الفوضى. وقلَّما يثقُ الحراسُ بالغرباء.
هنا، يبدأ اختبارُ صاحبِ الرؤية. ليس اختبارَ فكرتِه فحسب، بل اختبارَ
صبرِه، ورباطةِ جأشِه، وصفاءِ روحِه. عليه أن ينتقلَ من كونهِ حالمٌ مُطلقٌ إلى
يكونَ دبلوماسيًا صلبًا. عليه أن يبني جسورًا من الفهم بين ضفةِ حماستِه وضفةِ
حذرِهم. إنها رقصةٌ دقيقة، خطأٌ واحدٌ فيها قد يُضيِّعُ الحلمَ في أرشيفِ التفاصيل.
الاندفاعُ هنا عدوُّ الإبداع. فالنارُ التي تشتعلُ بسرعةٍ، تنطفئُ
بسرعة. أما النارُ التي تُوقَدُ بصبر، بقطعةِ خشبٍ تلو الأخرى، بنَفَسٍ ثابتٍ لا
يمل، فتلكَ هي التي تدفئُ المكانَ وتضيءُ الآفاقَ وتدومُ طويلًا.
إنه صراعُ الإراداتِ في غرفِ الاجتماعاتِ المغلقة، حيث لا صراخَ فيها،
بل نظراتٌ محسوبة، وكلماتٌ موزونة، وأسئلةٌ تُلقى كالسهام. وفي خضمِّ هذه العاصفةِ
الهادئة، يمسكُ صاحبُ الرؤية الأصيلُ ببوصلةِ يقينه. يعرفُ أنَّ استسلامَه يعني موتَ
فكرتِه في مهدها، وتحويلَها إلى مجردِ ذكرى في أرشيفِ "ماذا لو؟".
لكن الانتصارَ لا يكونُ بالصدام، بل بالإقناع. لا بالغلظة، بل
بالسلاسة. لا بإثباتِ أنَّ الآخرين على خطأ، بل بإثباتِ أنَّ الفكرةَ تستحقُّ أن
تُضافَ إلى صوابهم. إنها فنُّ تحويلِ الخصومِ إلى حلفاء، وتحويلِ الجدرانِ إلى
جسور.
وعندما ينجح، يحدثُ التحوُّلُ السحري. لم تعدِ الفكرةُ عبئًا على كاهلِ
من أتى بها، بل تنتقلُ بكل ثقلِها ومسؤوليتِها إلى أولئك الذين كانوا يحرسونَ
الباب. يصبحُ نجاحُها شأنًا لهم، وفشلُها تقصيرًا منهم. عندها فقط، تتحررُ الروحُ
المبدعةُ لترحلَ بحثًا عن شرارةٍ جديدة، تاركةً النارَ تضطرمُ خلفها بأيدي من
أصبحوا حراسًا لها.
فهل تعيشُ فكرتُك هذه الرحلةَ الشاقة؟ إذا كان الجوابُ نعم، فتَذَكَّر:
أعظمُ الأفكارِ لا تموتُ لأنها مستحيلة، بل تموتُ لأنَّ أصحابَها لم يمتلكوا صبرَ
النحاتِ وهو يُخرجُ من حجرِ الواقعِ تمثالَ حلمه.
جهاد
غريب
نوفمبر
2025

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق