الأحد، 2 نوفمبر 2025

رحلة الفكرة من الصمت إلى النور

 

رحلة الفكرة من الصمت إلى النور

 

"بين من يتناغم مع اللحظة، ومن يصنع الجوهر، ومن يقرأ الكتاب الجماعي للإنسانية"



 

 بسمِ الفكرةِ التي وُلدتْ من رحمِ الصمت…

 

في أول الصمت كانت الفكرة... طيفًا يسبحُ في فضاءاتِ الوعي، بذرةً كامنةً في تربةِ العقل البشريّ، تنتظرُ أن تُروى بلحظةِ إلهامٍ، أو تُحرّكَها رغبةٌ عميقةٌ. لكنّ هذه البذرةَ لا تنبتُ بالطريقةِ ذاتها في كلِّ عقلٍ، ولا تسيرُ نحو النورِ على الدربِ عينِه. فالناسُ في عالمِ الأفكارِ أصنافٌ ثلاثةٌ، تتجلى فيهم أسرارُ الخلقِ والإبداعِ بوجوهٍ مختلفة.

 

الفئةُ الأولى: هم أبناءُ اللحظةِ الحاضرة، أولئك الذين لا يفصلُ بين الومضةِ والانطلاقِ حجابٌ. كأنّ أفكارَهم أنهارٌ جاريةٌ، تتدفّقُ من منبعٍ لا ينضبُ، فيُبدعون من غيرِ تردُّدٍ، وكأنّما الفكرةُ تسبقُهم إلى الورقةِ، وتكتبُ نفسَها بنفسِها. هم لا يبحثون عن الفكرةِ، بل الفكرةُ تأتي إليهم كالنورِ الذي يملأُ الغرفةَ فجأةً. في فلسفةِ الوجودِ، هؤلاء هم "المتناغمون مع اللحظة"، أولئك الذين يعيشون في حالةِ انسجامٍ مع طاقَةِ الخلقِ الكونيّة، فلا يعوقُهم شكٌّ، ولا يشغلُهم توقُّعُ النتيجةِ. هم ليسوا أفضلَ من غيرِهم، لكنّهم الأكثرُ جرأةً على البدء.

 

أمّا الفئةُ الثانية: فهم "صُنّاعُ الأفكارِ في مختبرِ التأمّل". يقفون على شاطئِ الخيالِ، يرمون بأفكارٍ كالحجارةِ في بركةٍ ساكنةٍ، ينتظرون الأمواجَ والخواتيم. يرفضون الفكرةَ الأولى، ويعيدون صياغةَ الثانيةِ، ويقلّبون الثالثةَ على وجوهِها وأطرافها، حتى تستقرَّ في النهايةِ على فكرةٍ ترضيهم. هم لا يخافون من الضياعِ في متاهاتِ التفكيرِ، بل يرون في كلِّ فكرةٍ مرفوضةٍ درجةً على سُلّمِ الوصولِ. في هذه العمليّةِ من الغربلةِ والاختيارِ تتجلى فلسفةُ الجَوهر: ليست الفكرةُ الأسرعُ هي الأعمقُ، وليست الأكثرُ ظهورًا هي الأصدقُ. قد يكون الانتظارُ جزءًا من الإبداعِ، والتأجيلُ خطوةً نحو الكمالِ.

 

والفئةُ الثالثة: أولئك الذين يبدؤون من حيث انتهى الآخرون. لا يخجلون من أن يستلهموا، أو أن يبنوا على أنقاضِ أفكارٍ سبقتْهم. هم لا يسرقون، بل يزرعون بذورًا أُعطيتْ لهم في تربةٍ جديدةٍ، فينمو منها ما قد يفوقُ الأصلَ جمالًا وقوّةً. في هذا الفعلِ فلسفةٌ عميقةٌ عن التواصلِ الإنسانيّ: فما من فكرةٍ تخلو من أثرِ غيرِها، وما من إبداعٍ ليس محصلةَ حوارٍ خفيٍّ بين العقولِ. هؤلاء لا ينقصُهم الأصالةُ، بل هم يمارسونها بطريقةٍ مختلفةٍ: فهم يقرأون كتابَ الإنسانيّةِ الجماعيّ، ثمّ يكتبون فصلًا جديدًا بلغتهم الخاصّة.

 

لكنّ الأهمَّ من تصنيفِ العقولِ في بداياتِ الخلقِ، هو ما تُحدثُهُ الفكرةُ من رجّةٍ في عالمِ الواقعِ. فالأفكارُ التي لا تجدُ طريقَها إلى الفعلِ هي أطيافٌ عابرةٌ، لا تختلفُ عمّا لم يُولَدْ بعد. إنّ النورَ الحقيقيَّ للفكرةِ لا يتجلى في لحظةِ الإدراكِ، بل في شجاعةِ ترجمتِها إلى إنجازٍ يلامسُ حياةَ الناسِ، لأنّ القيمةَ الحقيقيةَ لأيِّ إبداعٍ تقاسُ بمدى تأثيرِهِ في المشهدِ الكونيّ، لا بجمالِ تكوينِهِ داخلَ العقلِ الفرديِّ.

 

هذه الأقسامُ الثلاثةُ ليست حدودًا فاصلةً بين العقولِ، بل هي تجلّياتٌ لطبيعةِ الإنسانِ في تعامله مع عالمِ الأفكارِ، ذلك العالمِ الذي لا يقلُّ تعقيدًا عن العالمِ الماديّ. فكما في الطبيعةِ بذورٌ تنبتُ بسرعةٍ، وأخرى تحتاجُ إلى صبرٍ، وثالثةٌ تنمو متشابكةً مع غيرِها، كذلك العقلُ البشريُّ في تعامله مع ملكةِ الإبداعِ.

 

وفي النهايةِ، ليستِ الفكرةُ مجردَ نتاجِ فردٍ يعيشُ في عزلةٍ، بل هي ابنةُ لحظةٍ وجهدٍ وإرثٍ مشتركٍ. والفارقُ بين مبدعٍ وآخرَ ليس في "ماذا" يقدّم، بل في "كيف" يمنحُ جزءًا من روحِهِ لما يقدّم. وكما قال أحد الحكماء: "الإبداعُ ليس موهبةً فحسب، بل هو شجاعةُ البدايةِ، وصبرُ الانتظارِ، وتواضعُ الاقتباسِ". لذلك، فلتُحسنْ اختيارَ دربِكَ نحو فكرتِكَ، ولتَعلمْ أنّ كلَّ إبداعٍ هو بصمةٌ خالِدةٌ على جبينِ الوجودِ. وهذه الشجاعةُ والصبرُ والتواضعُ... هي وجوهٌ مختلفة لروحِ الإنسانِ وهو يتركُ شيئًا من ذاتِه يتلألأُ كنجمةٍ في سماءِ الفكرةِ، قبل أن يغيبَ في صمتِ العدمِ، وكل فكرة هي محاولة خفية لأن نترك أثرًا في الغياب.

 

 

جهاد غريب

نوفمبر 2025

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الهندسة الرمزية: ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة

  الهندسة الرمزية   "ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة"   في صمت المتاحف الكبرى، خلف زجاج مقاوم للرصاص وتحت إضا...