أن تسمع ما لا يُسمع: الوحدة التي تخلق أصواتها!
تخيل أنك تعود إلى المنزل بعد يومٍ طويلٍ
من العمل، تضع المفتاح في قفل الباب، تديره ببطء، وقبل أن تدفع الباب للداخل، يتسلل
إليك شعورٌ غريب! شعور بأن أحدهم في الداخل!، قد يكون صوت خافت في ذهنك، أو همسة غير
مكتملة، ربما حتى ظلٌ لا وجود له إلا في أعماقك، لكنك تعلم، تعلم يقيناً، أن المنزل
فارغ، ومع ذلك، هناك شيء بداخلك يُقسم بأن هناك من ينتظرك خلف ذلك الباب.
هذا ليس مشهداً من فيلم رعب، بل تجربة
مألوفة لكثيرٍ منا، فما سر هذا الشعور؟ هل نحن ضحايا لعقولنا التي تُملي علينا أوهاماً
لا وجود لها، أم أن هناك تفسيراً أعمق وأكثر تعقيداً؟
العقل البشري معقدٌ كمتاهة قديمة، مليءٌ
بممراتٍ لا نهائية، بعضها مضاء، والبعض الآخر غارق في الظلام، فعندما نعتاد على روتينٍ
معين مثل: صوت خطوات أطفالنا، أو همسات زوجاتنا، أو حتى الضوضاء البسيطة كطقطقة الأكواب،
أو صرير الباب، تصبح هذه الأصوات جزءاً من نسيج يومياتنا، وعندما يغيب هذا النسيج فجأة!،
يرفض عقلنا تقبّل هذا الفراغ بسهولة، إنه مثل موسيقى توقفت فجأة!، فتظل أصداؤها تتردد
في أذهاننا.
قال الفيلسوف ديكارت: "أنا أفكر،
إذن أنا موجود". لكن هل يمكن أن نقول: "أنا أسمع، إذن هم موجودون؟"
ربما العقل لا يتحمل فكرة الغياب، فيخلق حضوراً وهمياً!، ليملأ هذا الفراغ العاطفي!،
إنه لا يغشنا بقدر ما يحاول حمايتنا من الوحدة القاسية.
تخيل الأمر وكأنك تحاول الاستماع لصوت
في غرفةٍ صامتة تماماً!، في البداية، لا تسمع شيئاً، لكن مع مرور الوقت، يبدأ عقلك
في خلق أصوات خافتة!، ونبضات قلبك تبدو كقرع طبول بعيدة، وصوت تنفسك كهمسات شبحية،
إنها ليست أصواتاً خارجية، بل صدى داخلي!، لأفكارك ومخاوفك.
قال أحد الحكماء: "الوهم هو الحقيقة
التي لم تجد دليلاً يدعمها بعد". فهل هذه الأصوات أو المشاعر مجرد أوهام؟ أم أنها
انعكاسٌ لحقيقة أعمق بداخلنا؟ ربما هي رسائل غير مباشرة من عقولنا اللاواعية، تلك التي
تعرفنا أكثر مما نظن.
الأمر يزداد غرابة حين تدخل المنزل، تخلع
حذاءك، وتجد نفسك تصغي مجدداً، كما لو أن المنزل يهمس لك!، تصمت، وتركز، لكن لا شيء
سوى الصمت، رغم ذلك، يصر عقلك على أن هناك شيئاً ما!، ربما، لأن العزلة تخيفنا أكثر
مما نرغب في الاعتراف به.
تتقدم ببطء نحو الغرفة، وتضع مفاتيحك على
الطاولة، ثم تستقر على الكرسي، أو ربما ترتمي على السرير، كأنك تحاول أن تثقل وجودك،
ليغلب هذا الشعور المتسلل، ثم تفتح هاتفك لتقرأ رسالة، أو تحاول كتابة شيءٍ ما، لكن
هناك ظل في محيط رؤيتك الجانبية يسرق تركيزك! إنه ذلك الثوب المعلق على ظهر الباب!،
لم يكن يبدو غريباً من قبل، لكن الآن، في هذا الصمت المطبق، يبدو وكأنه يتحرك بخفة،
كأن أنفاساً خفية تعبث بأطرافه!، لا هواء هنا، لكنك ترى شيئاً… أو هكذا يخبرك عقلك.
تحاول تجاهل الأمر، وتعود لهاتفك، لكن
شعوراً داخلياً ينقر على جدران عقلك: "راقب الباب". نعم، ذلك الباب الذي
تركته موارباً، لا يوجد سبب منطقي يدفعك لتوقع دخول أحدهم، ومع ذلك، هناك إحساس خفي
بأن كائناً غير مرئي يقف خلفه!، يراقب بصمت، وينتظر اللحظة المناسبة، ليكشف عن نفسه!،
تنظر سريعاً، فلا ترى سوى فراغ مظلم يتربص بصمت أكثر إثارة للقلق من أي حركة.
تتنهد في محاولة لطرد هذا الوهم!، فتهمس
لنفسك: "مجرد خيال"، لكن قلبك لا يبدو مقتنعاً، ربما لأن الوهم -أحياناً-
لا يحتاج لأدلة ليقنعك بواقعيته! يكفيه فقط!، أن يختبئ في زوايا صمتك، ليصنع لنفسه
حضوراً أقوى من أي حقيقة.
لقد كتب مارك توين يوماً: "القلق
مثل الكرسي الهزاز، يجعلك تشعر أنك تفعل شيئاً، لكنه لا يأخذك إلى أي مكان". وهذا
ينطبق تماماً على هذا النوع من المشاعر، فنحن نبحث عن أصوات مألوفة!، لأن عقولنا لا
ترتاح في صمتٍ مطلق!، نحن مخلوقات تكره الفراغ، سواء كان ذلك في غرفنا، أو في أرواحنا.
ولمَ لا نضيف لمسة من الفكاهة هنا؟ تخيل
أن عقلك يشبه موظف استقبال!، مفرط الحماس، في فندق غريب الأطوار، يرتدي بدلة أنيقة
جداً بالنسبة للموقف، ويقف خلف مكتب استقبال ضخم مزين بنباتات بلاستيكية، لا تحتاج
إلى رعاية، يلمحك وأنت تدخل منزلك الفارغ، فيقف فوراً بابتسامة عريضة ودفتر ملاحظات
في يده: "أهلاً وسهلاً بك! لدينا اليوم عرض خاص: صدى خيالك في كل زاوية! نعم،
نعم، سمعتُ صوت خطوات في المطبخ قبل قليل!، لا تقلق، إنها مجرد بقايا أفكارك تتجول
هناك! هل ترغب في كوب من القهوة مع لمسة من الأوهام الطازجة؟ أو ربما تفضل همسات خافتة
تأتيك من الغرفة المجاورة؟ إنها مجانية اليوم!"
تتجاهله، ثم تمضي إلى الداخل، لكن لا يمكنك
منعه من المتابعة! فيقول: "لحظة!، هناك شعور خفيف بوجود شخص ما خلفك!"، ويتابع:
"لا تقلق، إنه عرض جانبي من ذاكرتك العاطفية!، نوصي به بشدة لمحاربة الشعور بالوحدة!".
إنه عقلك، موظف استقبال، لا يعرف معنى
الإجازة، دائماً في حالة تأهب، يبحث عن أي تفاصيل بسيطة ليحولها إلى تجربة درامية…
حتى لو كان كل ما تريده هو بعض الهدوء وكوب شاي.
في النهاية، قد يكون هذا الشعور نابعاً
من تركيبة معقدة تجمع بين العادة، والذاكرة العاطفية، وربما حتى الخوف اللاواعي من
الوحدة، إنها ليست ظاهرة خارقة، بل انعكاسٌ لطبيعتنا البشرية التي تبحث عن الدفء حتى
في غياب الآخرين.
تخيل أن عقولنا تشبه غرفاً قديمة، مليئة
بالأصوات التي مررنا بها يوماً، ضحكات أحبائنا، وقع خطواتهم، حتى الصمت الذي كان يتخلل
حضورهم، هذه الذكريات ليست مجرد صور مخزنة، بل هي تجارب حية!، تُعاد صياغتها كلما لامسنا
صمتاً شبيهاً بذلك الذي خلفوه.
العادة تجعلنا ننتظر ما تعودنا عليه، والذاكرة
العاطفية تحب أن تملأ الفراغ بأصوات من نحبهم، كأنها تقول لنا: "لا تقلق، ما زالوا
هنا بطريقة ما"، أما الخوف اللاواعي من الوحدة، فهو أكثر دهاءً، إنه لا يظهر كصرخة
أو كنداء، بل يتسلل في صورة وهم لطيف! صوت غير موجود، أو ظل يتحرك بلا سبب، أو حتى
إحساس بأنك لست وحدك، ورغم أن كل الأدلة تقول العكس.
العقل لا يحب الفراغ، لا في الأفكار، ولا
في المشاعر، ولهذا، يخلق هذا الحضور الخفي ليشعر بالأمان في وجه الصمت، فالصمت بالنسبة
للعقل ليس مجرد غياب الأصوات، بل مساحة شاسعة تشبه صحراء ممتدة بلا معالم، يخاف أن
يضيع فيها، لهذا يبدأ برسم أوهام صغيرة، كمن يخط خرائط على الرمال حتى لا يفقد طريق
العودة.
العقل يكره المساحات الفارغة!، لأنها تعني
مواجهة الذات دون وساطة، ودون أصوات تشتت الانتباه، أو تفاصيل تشغل البال، لذا يبدأ
في ملء هذا الفراغ بما هو مألوف! مثل: صوت خافت من المطبخ، أو وقع خطوات وهمية، أو
حتى همسات لا وجود لها، إلا في زوايا الذاكرة، إنه كطفل صغير يخشى الظلام، فيضيء مصباح
خياله ليطمئن.
ربما هذا هو السبب في أننا نشعر أحياناً
بحضورٍ غير موجود عندما نكون وحدنا، الأمر ليس خوفاً من الوحدة فحسب، بل هو محاولة
العقل لخلق "رفقة" ولو كانت على هيئة أوهام لطيفة، وكأن العقل يقول:
"لن أتركك تواجه هذا الفراغ بمفردك، سأخترع لك شيئاً يسد هذا الصمت".
إنه نوع من الدفاع النفسي، حيث يتحول الحنين
إلى أصوات مألوفة، وإلى وسيلة للشعور بالاستمرارية والأمان، لأن العقل لا يحتمل فكرة
أن كل شيء يمكن أن يتوقف فجأة! مثل: الأصوات، الحركات، وحتى الحضور، فطالما هناك صدى،
حتى لو كان وهمياً، فثمة حياة تُحاك في الخلفية.
ربما نحن لا نخشى الصمت بحد ذاته، بل ما
يمثله: الغياب، فالغياب الذي يذكرنا بأن الوقت يمر، والأشخاص يتغيرون، واللحظات لا
تعود، لذلك، نحاول خداع أنفسنا قليلاً، فنصنع وهم الحضور!، لنطرد شبح الغياب، ليس لأننا
ضعفاء، بل لأننا بشر، نعتمد على الروابط لنشعر بوجودنا، إنها ليست خدعة من عقولنا،
بل طريقة للبقاء!، تماماً كما تظل النار مشتعلة ببقايا جمرٍ لم تخمد بعد، فيظل الحضور
المألوف مشتعلاً فينا، حتى لو اختفى مصدره!
نحن لا نبحث فقط عن أصوات نسمعها، بل عن
شعور بالانتماء، وعن آثار لمن عبروا حياتنا، وتركوا فيها صدى لا ينطفئ، لذلك، حين تسمع
صوتاً وهمياً، أو تشعر بحضورٍ غير موجود، لا تخف، ربما هو قلبك يهمس لك أن الذكريات
لا تموت، وأن الحب لا يحتاج جسداً ليبقى حياً.
إننا ببساطة نعيش بين الواقع وما تبقى
منه في أعماقنا! تلك المساحة التي لا تعرف الفقد، حيث لا يغادرنا أحد أبداً، فالعقل،
كما قال كارل يونغ، "ليس وعاءً يجب ملؤه، بل ناراً يجب إشعالها". وفي بعض
الأحيان، تشعل هذه النار بأبسط شرارة مثل: وهم صوتٍ مألوف، في منزلٍ فارغ.
جهاد غريب
فبراير 2025
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق