محاكمة النقاء!
"ضريبةُ النقاء: حين يصبحُ الضميرُ عبئًا"
"في زمنٍ صارت
فيه الانتهازية ذكاءً والصدق سذاجة.. كيف تصبح براءتك هي صك الغفران الوحيد أمام
محكمة ذاتك، حتى لو أدانك العالم أجمع؟"
في عصر لم
تعد فيه الأسئلة موجهة إلى المذنبين بل إلى الأبرياء، يقف صاحب الروح النقية في
قفص الاتهام ليس لأنه ارتكب جريمة، بل لأنه ببساطة رفض أن يرتكبها، وهنا تبدأ
محاكمة! لا تُعلن عنها وسائل الإعلام ولا يحضرها القضاة المعتادون، لكنها تجري - في
كل لحظة - في صالونات الضياع وفي ممرات المصالح الضيقة، حيث يتحول النقاء فجأة إلى
تهمة ثقيلة! توجّه إلى من يحاول أن يظل إنسانًا بكل ما تحمله الكلمة، من معنى قديم
لا يتوافق مع رصانة العصر الحديثة.
ففي زمن
انقلبت فيه الموازين واختلّت فيه المعايير، حتى صارت الأمور على عكس ما خُلقت له،
بات التمسك بالشرف موقفًا يحتاج إلى تبرير؛ وأصبح الإخلاص المفرط في علاقة، أو في
رسالة، أو حتى في حلم شخصي! يُقرأ في كثير من الأوساط على أنه نوع من التخلف الذي
لم يستوعب بعد! قواعد اللعبة الجديدة؛ أما الصدق الذي كان يومًا ما أساس الفضائل،
فقد صار يُنظر إليه نظرة الشفقة التي تُمنح للعاجز عن التكيف، وكأن الصادق لم يعد
شجاعًا كما كان في الماضي، بل صار أشبه بمسافر يحمل عملة ذهبية قديمة في سوق لا
تعترف إلا بالورق الزائف.
على الجانب
الآخر من هذه المعادلة المقلوبة، تزدهر الرداءة في مشهد احتفالي صاخب، حيث تُمنح
الجوائز لمن أتقن فن المراوغة، وتُفتح الأبواب على مصراعيها لمن أجاد لغة التملق
والتضليل، وكأن القيم الإنسانية العليا التي بناها الإنسان عبر قرون من النضوج
الأخلاقي، قد أُعيد تصنيفها في ليلة واحدة إلى سلع من الدرجة الثانية! لا تصلح إلا
للمتاحف، أو لأعمال الإحسان الخيرية التي نتبرع بها بين الحين والآخر، لتطمئن
ضمائرنا.
لكن الحقيقة
الأكثر إيلامًا تكمن في تفاصيل يومية صغيرة: في ذلك الاجتماع الذي يُسأل فيه
الملتزم بمبادئه! عن سبب تعقيداته الزائدة في تلك الصفقة، التي لا تتم إلا لمن
أظهر استعدادًا للتنازل عن أدنى درجات النزاهة، في تلك العلاقة التي تُختصر إلى
معادلة ربح وخسارة! لا مكان فيها للإخلاص كقيمة قائمة بذاتها.
وهنا تتداخل
المفارقات لتشكّل ما يمكن وصفه بمحاكمة النقاء بامتياز، حيث يُتهم الطرف الذي لا
يزال يصدق أن للكلمات وزنًا، وأن للوعود قيمة بأنه غير واقعي، أو غير ناضج، أو حتى
بأنه يعاني من عقدة قديمة تحول بينه وبين مواكبة روح العصر.
لكن دعونا
نتوقف لحظة عند هذا المصطلح الأخير "روح العصر"، فهل هي حقًا روح تستحق
أن نطلق عليها هذا الاسم، أم أنها مجرد حالة من التخدير الجماعي جعلتنا نصدق أن
الانتهازية هي ذكاء، وأن الصراحة هي سذاجة، وأن التمسك بالمبادئ هو نوع من العناد
المرضي الذي يستحق العلاج؟
لعل ما يحدث
هو أن الموائد التي تُساوم فيها الضمائر! لم تعد تقام في الخفاء، صارت علنية
بامتياز، وباتت تقدم فيها المصالح الدنيوية كوجبات رئيسية تفوح منها رائحة الوعود
المحترقة، ويُطلب من كل جالس أن يدفع ثمن مقعده بجزء من روحه، غير أن السؤال الذي
يظل عالقًا في حلق كل من يُدعى إلى هذه الموائد هو: هل هناك ثمن يمكن أن يعادل
القدرة على النظر في المرآة بعد حين؟ هل هناك مصلحة تساوي ذلك الشعور الغامض! بأنك
بعت شيئًا لا يمكن استعادته أبدًا، مهما بلغت أرباحك الدنيوية؟
وهنا تكمن
المعادلة الصعبة التي لا يفهمها إلا من اختار طريق النقاء رغم سخرية الساخرين
واستهزاء المستهزئين، معادلة تقول إن النصر الحقيقي ليس أن تنال ما تريد بأي ثمن، إنما
أن تبقى أنت نفسك بعد أن نلت ما تريد، وأن تظل قادرًا على النوم بسلام بعد كل صفقة
أغلقتها، وبعد كل موقف خضته، وبعد كل كلمة قلتها أو لم تقلها.
لذلك فإن
الدعوة إلى الثبات في هذا الزمن ليست مجرد شعارات رومانسية! يرددها من لم يفهموا
بعد قسوة الواقع، هي ضرورة وجودية لمن يرفضون أن تكون أرواحهم جزءًا من الصفقات
الرائجة، إنها إعلان استقلال عن كل من يحاولون فرض قيمهم المقلوبة! على من لا يزال
يحتفظ ببوصلة أخلاقية تعرف اتجاه الشمال، مهما تكاثفت الغيوم، ومهما بدا السير عكس
التيار أمرًا مرهقًا، أو حتى سخيفًا في عيون من باعوا بوصلاتهم منذ زمن بعيد،
مقابل مقعد دافئ على سفينة لا تعرف إلى أين تمخر.
لكن اليقين
الذي لا يهتز عند هؤلاء الثابتين هو: أن سفن أولئك مهما بدت مكتظة بالزينة
والرفاه، فإنها لا تحمل ما يضمن لها البقاء طويلًا، بينما ما يبنيه من يختارون
النقاء رغم التهمة! هو شيء لا يمكن أن تسقطه أي عاصفة، لأنه مبني على أساس لا يقبل
القسمة على أي شيء سوى ذواتهم الطاهرة، التي آثرت أن تبقى حرة؛ فالبراءة في عرف
السماسرة قد تكون تهمة، لكنها في محكمة الذات هي صك الغفران الوحيد.
جهاد غريب
أبريل 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق