الثلاثاء، 7 أبريل 2026

ما وراء الضفاف!

 

ما وراء الضفاف!

"بَوْصلةُ اليقين: حين يتجاوزُ الحبُّ حدودَ الأين"

 



 

"ثمة اتصال لا تعترف به الخرائط؛ حبٌ يعيش في أثير المعنى ويتجاوز حدود الأين. حين يصبح الغياب مجرد وهم بصري، واللقاء نبضًا لا يحتاج لترجمان".

 

ثمة نوع من الاتصال لا تعترف به الخرائط ولا تقيسه الأميال، حيث يتحول البُعد الجغرافي إلى مجرد وهم بصري، لا يمس جوهر ما! يجمع روحين اختارتا أن تلتقيا في منطقة لا تحكمها قوانين الجاذبية الأرضية، بل تحكمها تلك الجاذبية الخفية، التي تستبقي صوت الآخر حاضرًا في داخلك! كإيقاع لا يتوقف حتى عندما تغيب أمواج الصوت، وكأنكما اتفقتما منذ البدء، على أن تكون هذه العلاقة هي التجربة التي تتجاوز كل ما عرفته البشرية، عن القرب والصداقة والحب.

 

فلم تعد الصداقة وحدها كافية لوصف ما يجمعكما، ولم يعد الحب بتعريفاته التقليدية القائمة على التملك، أو الحضور الفيزيائي المباشر، سوى قالب ضيق لا يسع هذا الامتداد الروحي الذي صنعتماه لأنفسكما، إنما صارت العلاقة أشبه بطقس يومي لا يُعلن عنه، وزمنًا داخليًا خاصًا لا تتسع له الساعات العادية، ودليلًا سريًا لا يعرف تفاصيله، سوى من يعرف كيف يقرأ الإشارات التي تتراوح بين سطر مكتوب، ولحظة صمت مشتركة، وبين حلم يتكرر وكأن أحدكما يرسله عمدًا إلى الآخر في غفوة الليل.

 

على الضفة الأخرى من هذا النوع من التعلق الذي لا يقبل الانحلال، يتحول الآخر إلى ما يشبه البوصلة التي لا تخون، فلا تحتاج أن تنظر إليها كل لحظة لتتأكد من الاتجاه، يكفي أن تعرف أنها موجودة في مكان ما من العالم، لتستطيع أن تحدد مسارك، فهو الحاضر الذي لا يغيب! حتى في أشد لحظات الغياب كثافة، والمستقبل المؤجل الذي لا تحتاج أن تستعجل حدوثه، لأنك تعرف أن وجوده كفكرة كافٍ ليمنحك الأمل، والسر الدائم الذي لا يزول! ليس لأنه صامت، بل لأنه أثبت - عبر الزمن - أن بعض الأسرار حين تُعاش بصمت! تصير أكثر صدقًا من كل ما يُقال في العلن.

 

قد يتساءل من لا يعرف هذا النوع من الاتصال: كيف يمكن لعلاقة أن تنمو وتزدهر دون لقاءات يومية، ودون لمسات تطمئن الجسد، ودون تفاصيل صغيرة تملأ الفراغات بين الكلمات، والجواب أن هذا النوع من العلاقات يبني بيته في منطقة لا تصلها رياح الفراق، لأنها بنيت بالأساس فوق فكرة أن الفراق مجرد حالة ظرفية، لا تمس جوهر ما تم بناؤه.

 

وكأن الروحين تعاقدتا على أن تكون لحظة لقائهما الأولى هي لحظة الانطلاق إلى أبدية لا تتأثر بالانقطاعات الزمنية، فيصبح كل لقاء - مهما تباعدت فتراته - مجرد تأكيد على ما كان قائمًا طوال الوقت، لا بداية جديدة تنتظر أن تنتهي، علاقة لا تعرف الغرق!، لأنها لم تبنِ قواربها من خشب المادة، بل من أثير المعنى.

 

ومن هنا ندرك أن هذا الحب الذي تعلّم أن يعيش عن بُعد! لم يكن أبدًا حبًا ناقصًا ينتظر أن يكتمل، كان كاملًا في شكله الحالي، كاملًا في قدرته على أن يكون مصدرًا للطمأنينة، دون أن يطلب دليلًا جديدًا على وجوده كل صباح، كاملًا في سريته التي لا تجعله في حاجة إلى اعترافات علنية، أو أطر اجتماعية تشرعن وجوده.

 

وكأن كماله نابع من قدرته على تجاوز كل ما هو ظاهر وملموس، ليعيش في منطقة ما وراء الضفاف، حيث لا توجد حدود بين روح وأخرى، ولا أسئلة عن المدة أو المصير، لأن من يعيش هذه التجربة يعرف أن الأسئلة الكبرى! لا تحتاج إلى إجابات بقدر ما تحتاج إلى أن تظل أسئلة جميلة! تحافظ على حيوية العلاقة ونقائها.

 

إن هذا النوع من الاتصال الروحي لا يمكن فهمه بمنطق الأخذ والعطاء، ولا بمعايير الوجود المادي الذي يقيس الأشياء بحضورها وغيابها، هو بمثابة تلك النقطة التي يلتقي فيها الوعي مع الوعي دون وسائط، حيث يصبح التفكير في الآخر كالتنفس: فعلًا حيويًا لا ندرك حدوثه من فرط اندماجه بوجودنا، والشعور به أشبه بنبض لا يمكن أن يتوقف، لأن القلب لا يسأل عن سبب نبضه، فهو يفعل ذلك لأنه يعرف أن النبض هو ما يبقيه حيًا.

 

وبهذا المعنى يكون الغياب الجسدي مجرد وهم مؤقت، بينما الحقيقة الثابتة هي أن الآخر قد تحول: إلى جزء من نسيجك الروحي، إلى زاوية في عالمك الداخلي لا يمكن إخلاؤها، إلى معنى يسكنك قبل أن تسكنه أنت.

 

وحين تصل العلاقة إلى هذه الدرجة من الصفاء والتجرد، تصبح كل المسافات مجرد أرقام لا معنى لها، ويصبح كل انتظار مجرد فترة جميلة تنضج فيها التفاصيل استعدادًا للقاء لا يحتاج إلى ترتيبات، لأننا لم نغادر الضفة يومًا إلا لنلتقي في عمق النهر الذي يجمعنا.

 

جهاد غريب

أبريل 2026

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ما وراء الضفاف!

  ما وراء الضفاف! "بَوْصلةُ اليقين: حين يتجاوزُ الحبُّ حدودَ الأين"     "ثمة اتصال لا تعترف به الخرائط؛ حبٌ يعيش في أ...