الجمعة، 24 أبريل 2026

كن جسرًا… لا ضفة!

 

كن جسرًا… لا ضفة!

 

"الحياة التي تُعاش في المنتصف… حيث يمرّ الآخرون"

 


 

لم يولد الجسر ليبقى لنفسه. 

ومنذ اللحظة التي يمتدّ فيها، 

يتخلى—بهدوء—عن فكرة أن يكون مكانًا يُسكن.

 

الجسر لا ينتمي. 

هو معلّق دائمًا بين جهتين، 

لا يستقر في إحداهما، 

ولا يملك رفاهية الانحياز.

 

أن تكون جسرًا 

ليس دورًا عابرًا تؤديه عند الحاجة، 

بل اختيارًا وجوديًا 

يعيد تعريف موقعك من العالم.

 

أن تقرر ألّا تكون ضفة، 

بل رابطًا بين ضفتين لا تريان بعضهما، 

ولا تعرفان كيف تلتقيان دونك.

 

هذا الاختيار يبدو نبيلًا من الخارج، 

لكنه من الداخل… 

مليء بتوتر صامت.

 

لأن الجسر، بطبيعته، 

لا يُحتفى به كما يُحتفى بالوصول. 

لا يُذكر حين ينجح العبور، 

ولا يُلتفت إليه إلا حين يتصدّع.

 

هو حاضر دائمًا، 

لكن حضوره ليس مركزًا، 

بل وظيفيًا… 

يتأكد وجوده بما يمرّ عليه، 

لا بما يبقى فيه.

 

وهنا تكمن أولى المفارقات.

 

أن تكون رابطًا 

يعني ألّا تكون طرفًا كاملًا في أي جهة. 

أن تفهم الضفتين، 

لكن لا تذوب في أيٍّ منهما. 

أن تحمل ملامحهما، 

دون أن تفقد شكلك الخاص.

 

هذا التوازن لا يُحسم مرة واحدة، 

بل يُعاد بناؤه في كل لحظة. 

في كل عبور، 

في كل اختلاف، 

في كل محاولة لربط ما لا يريد أن يرتبط.

 

والثمن… ليس دائمًا ظاهرًا.

 

الجسر يُداس عليه، 

لا لأن أحدًا يريد إيذاءه، 

بل لأن هذه هي وظيفته. 

أن يُستخدم، 

أن يُعبر، 

أن يكون الطريق الذي لا يُسأل إن كان متعبًا، 

ولا إن كان يحتاج إلى توقف.

 

وهنا يبدأ التوتر الأعمق.

 

هل أنا جزء مما يمرّ؟ 

أم مجرد مساحة يمرّون عبرها؟ 

هل أنتمي لما يأتيني من هذه الضفة؟ 

أم لما يغادرني إلى الأخرى؟ 

أم أنني—في الحقيقة— 

لا أنتمي إلا إلى هذا الامتداد نفسه؟

 

هذه الأسئلة لا تُطرح بصوت عالٍ، 

لكنها تعيش في العمق، 

تتكرر كلما اشتد العبور، 

وكلما زاد الضغط.

 

ومع الوقت، 

يتضح أن الجسر ليس مشروعًا يُنجز، 

بل فعلًا مستمرًا.

 

لا يُبنى مرة واحدة ثم يُترك، 

بل يُعاد تثبيته مع كل مرور، 

يُختبر مع كل وزن، 

ويُعاد تعريفه مع كل اختلاف.

 

ليس هناك لحظة يقول فيها: “اكتملت”. 

لأن الاكتمال، بالنسبة له، 

يعني التوقف… 

وهو لم يُوجد ليتوقف.

 

لكن وسط هذا الامتداد المستمر، 

يحدث التحول.

 

لا في الشكل، 

بل في الفهم.

 

حين يدرك الجسر أن قيمته 

لا تكمن في أن يُرى، 

ولا في أن يُعترف به ككيان مستقل، 

بل في العبور الذي يحدث بسببه.

 

في الخطوات التي لم تكن لتُخطى لولاه. 

في اللقاءات التي لم تكن لتحدث دون امتداده. 

في المسافات التي لم تعد فاصلة 

لأنه اختار أن يكون بينها.

 

هذا الإدراك لا يُلغي الثقل، 

ولا يمحو التوتر، 

لكنه يمنحه معنى.

 

يجعل كل عبور… 

دليلًا على أن وجوده ليس فراغًا، 

بل ضرورة.

 

وفي النهاية، 

لا يسعى الجسر إلى أن يصبح ضفة، 

ولا يطمح أن يُحتفظ به كمكان إقامة.

 

يكتفي بشيء أبسط… وأعمق:

 

أن يبقى ممتدًا، 

قادرًا على الاحتمال، 

جاهزًا لكل من يعبر، 

دون أن يسأل إلى أين يذهب.

 

أن يكون طريقًا، 

دون أن يطلب أن يكون هو الوجهة.

 

وهنا يبلغ اكتماله الوحيد الممكن:

 

أن يمرّ العالم فوقه، 

ويستمر… 

دون أن يتوقف عنده.

 

 

جهاد غريب

أبريل 2026

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ما يمرّ مرة واحدة… ويعيد كتابة كل شيء

  ما يمرّ مرة واحدة… ويعيد كتابة كل شيء   "اللحظة التي لا تبدو مصيرية… إلا بعد أن تعبر"     لم تكن لافتة.   لم تحمل عل...