حين
تكون وحدك… دون أن تشعر بالنقص
"الفرق
بين العزلة التي تُضعفك… والوحدة التي تُكملك"
ليس كل من كان وحده… كان ناقصًا.
لكننا تعلّمنا أن نرى الأمر هكذا.
نربط الوحدة بالغياب،
بالفراغ،
بشيء يجب أن يُملأ.
كأن وجود الآخر يمنحنا اكتمالنا،
وغيابه يكشف ما ينقصنا.
ولهذا نخاف من الوحدة،
حتى قبل أن نعيشها.
نراها حالة مؤقتة يجب الخروج منها،
أو فراغًا ينبغي تغطيته،
لا مساحة يمكن أن تُفهم.
لكن المشكلة ليست في أن نكون وحدنا،
بل في الطريقة التي نكون بها كذلك.
هناك فرق…
بين عزلة تُفرض،
ووحدة تُختار.
العزلة القسرية تدفعك إلى نفسك
دون أن تكون مستعدًا لها.
تُشعرك بأنك منفصل،
مقطوع،
خارج السياق.
فيها لا تكون مع نفسك…
بل عالقًا معها.
أما الوحدة المختارة،
فهي شيء مختلف تمامًا.
ليست انسحابًا من العالم،
ولا رفضًا للآخرين،
بل اقترابًا من الداخل
دون ضغط،
ودون محاولة للهروب.
أن تكون وحدك،
وأنت قادر أن تكون مع نفسك…
لا ضدها.
وهنا يظهر السؤال الأعمق:
هل نبحث عن الآخرين لأننا نريدهم،
أم لأننا لا نحتمل أنفسنا؟
حين يصبح الآخر
المصدر الوحيد للشعور بالامتلاء،
تتحول العلاقة إلى ضرورة،
لا اختيارًا.
وتصبح وسيلة لتخفيف شيء في الداخل،
لا مساحة مشاركة حقيقية.
وهذا ما يجعل الغياب مؤلمًا،
ليس لأنه فقدٌ لشخص،
بل لأنه يكشف اعتمادًا
لم نكن نراه.
لكن حين يتغيّر هذا،
حين نبدأ—ببطء—في الجلوس مع أنفسنا
دون استعجال،
ودون محاولة لملء كل صمت…
يحدث شيء مختلف.
نكتشف أن الوحدة
ليست فراغًا كما ظننا،
بل مساحة.
مساحة نسمع فيها أنفسنا
دون تشويش،
نرى فيها أفكارنا بوضوح،
ونفهم فيها مشاعرنا
دون أن نضطر لتفسيرها فورًا.
في هذه المساحة،
لا نحتاج أن نكون شيئًا محددًا،
ولا أن نؤدي دورًا،
ولا أن نُرضي أحدًا.
نكون فقط… كما نحن.
ومع الوقت،
تتحول التجربة من غرابة
إلى ألفة.
لم نعد نخاف من البقاء مع أنفسنا،
ولم نعد نشعر أن الصمت
يحتاج أن يُكسر.
بل يصبح الصمت
مكانًا نعود إليه،
لا شيئًا نهرب منه.
وهنا يتغير معنى الاكتفاء.
لم يعد مرتبطًا بوجود الآخر،
ولا بعدده،
ولا بحضوره المستمر.
بل بقدرتك
أن تكون كاملًا… حتى حين لا يكون هناك أحد.
وهذا لا يعني الانفصال،
ولا الاكتفاء المغلق،
بل العكس تمامًا.
حين لا تحتاج الآخر لتشعر أنك موجود،
تصبح قادرًا أن تلتقيه… بصدق.
لا لتأخذ،
ولا لتملأ فراغًا،
بل لتشارك.
وهنا تتغير العلاقة مع العالم.
لم تعد قائمة على التعويض،
بل على الامتداد.
أن تكون مع الآخرين،
وأنت لا تبحث عن نفسك فيهم،
بل تحضر معهم… بما أنت عليه.
في النهاية،
الوحدة ليست نقيض الانتماء،
ولا دليل نقص،
بل شرط خفيّ للاكتمال.
أن تعرف نفسك قبل أن تشاركها،
وأن تكون قادرًا على احتمالها،
قبل أن تطلب من أحد أن يحتملها معك.
ومن يصل إلى هذا،
لا ينعزل عن العالم،
بل يعود إليه… بشكلٍ أنقى.
جهاد
غريب
أبريل
2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق