الأربعاء، 1 أبريل 2026

إنصاف المرايا!

 

إنصاف المرايا!

حين تصبح أنت "الآخَر" الذي يستحق الرعاية

 

 




"كنت منارة للجميع، فمن كان منارة لك حين سقطت؟ حان الوقت لتنصف مراياك وتتعامل مع ذاتك كصديق عزيز يستحق الغفران والترميم.. الآن، وليس غدًا".

 

لطالما كنت هناك، تقف كمنارة لأولئك الذين فقدوا طريقهم في عتمات أسئلتهم، تمد يدك لمن سقط، تقدم النصيحة لمن حار، تتسع روحك لأحزان الآخرين، وكأنها كنز لا ينضب من التفهم والرأفة، لكن دعني أسألك الآن، وسط كل هذا العطاء الذي لا يتوقف: من كان يقف خلفك حين كنت أنت من يحتاج إلى منارة؟ من مد يده إليك حين كنت أنت من سقط؟ وأين كان أولئك الذين سهرت على أحلامهم حين شعرت أن روحك قد أضناها العطاء، دون أن تجد من يعطيها نفس ما أعطت؟

 

إن السؤال الذي يلح في هذه اللحظة من التأمل ليس عن جحود الآخرين، بل عن ذلك التناقض الغريب، الذي يجعلنا نتعامل مع أنفسنا بقسوة لا نسمح لأي إنسان آخر أن يعاملنا بها، فنحن نمنح من حولنا حق ارتكاب الأخطاء والتعلّم منها، بينما نمسك على أنفسنا قائمة اتهام لا تنتهي، ونحن نمنحهم وقتًا غير محدود للشفاء، بينما نصر على أن جراحنا يجب أن تلتئم في لحظتها، وإلا عدنا لأنفسنا محكومين بالفشل.

 

فلماذا إذن لا نعامل أنفسنا بتلك النظرة المحايدة النبيلة التي نعامل بها من نحب؟ لماذا نصر على أن نكون القاضي الجائر في قاعة محاكمة لا يستحق فيها المتهم إلا عقابًا مضاعفًا؟

 

لقد حان الوقت لأن تنظر إلى داخلك كما تنظر إلى صديق عزيز، تتحدث معه بلغة يفهمها، تخاطب ذاتك بتلك النبرة الدافئة التي كنت تستخدمها مع من كانوا يبكون على كتفك، تقول لنفسك ما كنت تقوله لهم: "أنت لست وحدك، أنت تستحق أن تتعثر لتتعلم، أنت قادر على النهوض، ولن يحكم عليك أحد بهذه العثرة، لأنها مجرد منعطف في طريق طويل".

 

ولعل أجمل ما في هذا التحول الداخلي أنك حين تبدأ بمعاملة نفسك كـ "آخر" يستحق الرعاية، ستكتشف أن كثيرًا من الحدة التي كنت تمارسها على ذاتك، لم تكن حكمة بقدر ما كانت عادة مكتسبة! في زمن لم يكن فيه أحد ليقف معك، فصرت أنت خصمك وحكمك وجلادك في آن واحد.

 

على الجانب الآخر من هذه المعادلة الإنسانية العميقة، تكمن أولوية تبدو للبعض أنانية، بينما هي في جوهرها ضرورة وجودية: أن تمنح ذاتك حق الترميم، لأن ما تهدم في داخلك لا يمكن لأحد أن يعيد بناءه سواك، وأن تمنحها حق الفهم، لأنها لم تكن قاسية لتؤذي أحدًا، لكنها كانت تدافع عنك بطرق بدائية لم تعد تنفع، وأن تمنحها حق المسامحة، لأن الغفران حين يُمنح للذات يصبح مصدرًا لا ينضب من الطاقة، لمواصلة العطاء دون أن يتحول العطاء إلى استنزاف، وأن تمنحها حق الشفاء، ليس كترف نفسي ينتظر الظروف المثالية، وإنما كأولوية لا يمكن تأجيلها!، لأن الروح المتعبة لا تستطيع أن تكون سندًا لأحد وهي تنزف في الخفاء.

 

وربما كان أعظم دروس النضج أن ندرك أن رعاية الذات ليست سرقة من حقوق الآخرين، بل هي في حقيقتها الضمانة الوحيدة التي تجعل حقوقهم آمنة في يديك، فكما أن الطبيب المنهك بيد مرتعشة قد يزيد جراح الآخرين اتساعًا بدلًا من لملمتها، وكما أن النهر الذي جف لا يستطيع أن يروي أحدًا، فإن الروح التي لم تجد من يرعاها داخليًا! ستصبح يومًا ما عاجزة عن رعاية أي شيء.

 

تخيل للحظة أنك تجلس مع ذاتك كما تجلس مع طفل خائف، تسألها عما تحتاج، تستمع دون أن تقاطعها بلوم أو نقد، تسمح لها بأن تقول: "لقد تعبت، لست بحاجة إلى حلول الآن، فقط أحتاجُ اعترافَ أحدٍ ما بأنني كنت أقاوم وحدي طويلًا"، تخيل أن تمنحها ما كانت تحتاجه منذ سنوات من دون أن تجده: لحظة هدوء لا يُطلب فيها شيء، نظرة تفهمٍ لا تطالبك بفواتير قديمة من الندم، وعدًا بأنك لن تتركها تواجه العاصفة بمفردها بعد اليوم.

 

وهذا ليس حلمًا، بل هو قرار يمكنك أن تبدأ في تنفيذه من هذه اللحظة ذاتها، ليس غدًا بعد أن تنتهي من مسؤولياتك، أو بعد أن تصبح الحياة أقل ازدحامًا، بل الآن، في هذه الدقيقة التي تقرأ فيها هذه الكلمات، لأن التأجيل كان دائمًا هو الأسلوب الذي تستخدمه "أنت" ضد "روحك"، كان ذريعة مثالية، لتبقى العناية بالذات في نهاية القائمة، بينما أنت في بدايتها تمنح للجميع ما لا تمنحه لنفسك،

 

ولكن اليوم يمكن أن يكون مختلفًا، اليوم يمكن أن تشهد مرايا روحك لحظة إنصاف نادرة، لحظة تقف فيها أمام ذاتك لا كمدين لها، بل كشخص مدين لها بالكثير من التقدير، وتسألها: "ما الذي تحتاجينه لأرتقي بك إلى حيث أرتقي بغيري؟"، وعندها فقط ستعرف أن رعاية الذات ليست ترفًا ولا أنانية، بل هي التعبير الأصدق عن قدرتك على أن تكون إنسانًا كاملًا، تعطي لأنك مُلِئت أولًا، وتدعم لأنك تكتشف أخيرًا أن أقوى يدٍ امتدت لتنتشلك لم تكن يد عابر، بل إنها كانت يدك أنت حين قررت أن تنصف مراياك.

 

جهاد غريب

أبريل 2026

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

حبر الروح: هندسة الوجود في صمت الورق

  حبر الروح: هندسة الوجود في صمت الورق! "مِعمارُ الصمت: عن خُلودِ الأثرِ في الحِبر"     "الحبر روحٌ، والورقُ سماءٌ، و...