ترميم الغياب!
"مِيقاتُ العتمة: ترميمُ اليقظةِ بالمنام"
"عندما نغمض أعيننا، لا نرحل عن العالم بقدر ما نُفتح على
واجهة أكثر صدقًا.. هل الأحلام مجرد خيال، أم أنها ورشة لترميم ما تهشم في واقعنا
تحت ضوء الشمس؟"
هل يعقل أن
يكون الغياب هو ذاته ما يعيدنا إلى أنفسنا؟ عندما نغمض أعيننا، لا نرحل عن العالم
بقدر ما نُفتح على واجهة أكثر صدقًا مما نعيشه في النهار: هناك، حيث تسقط الأقنعة
التي نرتديها بحرفية أمام المرايا والآخرين، تبدأ الأحلام في أداء وظيفتها.
الأكثر
دهاءً: أن تكون ذاكرة بديلة، لا تحفظ ما حدث، بل إنها ما كان يجب أن يحدث أو ما لا
نزال نأمل في حدوثه؛ ففي تلك المساحة الرمادية بين اليقظة والسبات، لا نجد
انعكاسًا حرفيًا للواقع، لكننا نجد ترجمة خاصة لرغباتنا المكبوتة وهواجسنا المخيفة
التي رفض العقل أثناء النهار الاعتراف بها. ومن هنا تبدأ لعبة "ترميم الغياب"
حيث تعيد الأحلام تشكيل النواقص التي نخفيها تحت طبقات من الالتزام اليومي والصخب.
على الضفة
الأخرى من هذا التساؤل، ثمة سحر قاسٍ في الحلم الذي لا يكتمل، ذلك الحلم الذي
ينقطع فجأة عند أشد لحظاته حميمية أو إثارة، فيظل عالقًا في الذاكرة ليس كذكرى
ناقصة، وإنما كمشروع مفتوح؛ وكأن الليل يدرك أن الجمال الحقيقي ليس في الوصول، بل
في بقاء الأمل معلقًا في حلق الحالم، فالحلم الناقص هو أكثر الأحلام قدرة على
البقاء لأنه لا يعرف نهاية، ولأن العقل عندما يستيقظ يبدأ في تأليف نهاياته بنفسه،
فيصبح الحلم هنا لا مجرد صورة، بل ساحة لصراع التفسير.
لعل هذا ما
يجعل الأحلام مرآة للواقع الخفي، حيث تتخذ الأفكار أشكالًا رمزية صارخة: قد يتحول
القلق من فقدان السيطرة إلى حلم بالطيران في سماء بلا جاذبية، وقد تتحول الرغبة
العميقة في المصالحة إلى مشهد طويل من البحث عن شخص غائب في متاهة من الغرف
المغلقة؛ وكأن العقل الباطن يمثل مسرحيته الخاصة، يستعير الرموز من ذاكرة النهار
ليعيد صياغتها في قالب درامي لا يلتزم بمنطق السببية، وإنما يلتزم بمنطق الشفافية
العاطفية.
تخيل للحظة
شخصًا يقضي سنواتٍ وهو يكرر حلمًا واحدًا: أنه يقف على حافة جرف ولا يستطيع
النزول، كل ليلة يعيد السيناريو نفسه لكن بنهاية مختلفة، وهنا لا يكون الحلم مجرد
تكرار مرضي، بل هو محاولة متجددة لتفتيت حصى الخوف التي استعصت على الحل في
النهار؛ إنه تدريب ليلي على المواجهة، حيث يخسر الحالم ويخسر لكنه لا يتوقف عن
المحاولة، وفي هذه المثابرة الليلية يكمن جوهر ما نسميه "الذاكرة
البديلة"، فهي لا تخدم الماضي، بل تخدم المستقبل المحتمل.
لا يمكننا أن
نغفل أيضًا عن أن الأحلام تحمل في طياتها قدرة غريبة على "ترميم الغياب"
بالمعنى الحرفي؛ فهي تعيد إلينا أحباء راحلين، ليس كأشباح، بل إنها ككائنات حية
تتحاور معنا، تعيد إليهم أصواتهم وصدى خطواتهم ودفء حضورهم في مشاهد يومية بسيطة!،
قد لا تحمل أي رمزية عميقة، سوى أنها كانت كافية لتشعرنا للحظة أن الغياب لم يكن
مطلقًا، وأن الخسارة يمكن تجاوزها ضمن حدود هذا العالم الموازي؛ وهنا تلتقي
الفلسفة بعلم النفس في نقطة جوهرية: الحلم ليس هروبًا من الواقع بقدر ما هو تأسيس
لواقع ثانٍ، أكثر مرونة وأكثر قدرة على استيعاب
التناقضات
البشرية. إن الاستيقاظ، إذن، ليس نهاية الحلم، بل هو بداية مرحلة أخرى من مراحل
وجوده، هي مرحلة التأويل، حيث نصبح نحن من نكمل البناء، من نمنح الرموز معانيها،
ومن نقرر أي جزء من تلك الذاكرة البديلة سوف ينسرب إلى يقظتنا ليغير مزاجنا، أو
يقلب مسار قراراتنا؛ وبهذا المعنى، لا يصبح الحلم مجرد ظل للواقع، بل إنه يصبح
ورشة لترميم ما تهشم في الواقع، مساحة لا متناهية.
حيث يمكننا
أن نعيش نسخًا متعددة من أنفسنا، تلك النسخ التي لا نجرؤ على تجسيدها تحت الشمس،
لكننا نتدرب عليها في عتمة الليل، لعلنا ذات صباح نستيقظ وقد امتزج الحلم باليقظة،
فلا نعود نبحث عن الحقيقة في الضوء وحده، بل في الأثر الذي تركه الليل على وسائد
أرواحنا.
جهاد غريب
أبريل 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق