حين يخرج الكتاب من يد صاحبه
"ليس
كل ما يُطبع يصبح آمنًا"
في العادة، لا يُولد الكاتب من الورق،
بل من الثقة.
ثقة الكاتب في كلماته، وثقته في الطريق
الذي يسلكه وهو يحمل مخطوطه الأول نحو العالم. ولهذا، فإن أكثر ما يواجهه الكاتب
في بداياته ليس ضعف اللغة، ولا قسوة النقد، بل هشاشة المعرفة بما يحيط بالنص بعد
اكتماله؛ تلك المنطقة الرمادية الواقعة بين الإبداع والقانون، بين الحلم والإجراء،
بين القصيدة والوثيقة.
ثمة لحظة دقيقة لا ينتبه إليها كثير من
الكُتّاب، وهي اللحظة التي يغادر فيها النص دفاتر صاحبه ليدخل إلى فضاء النشر.
هناك، تتغير طبيعة الأشياء بهدوء شديد. يصبح الغلاف أكثر من صورة، ويصبح التنسيق
أكثر من ترتيب صفحات، وتصبح المنصة الإلكترونية أكثر من واجهة عرض. فجأة، يجد
الكاتب نفسه داخل شبكة كاملة من الحقوق، والتفويضات، والإتاحة الرقمية، والتوزيع،
والاستغلال التجاري، بينما هو ما يزال يتعامل مع كتابه بوصفه "أثرًا شخصيًا"
لا أكثر.
كثير من المؤلفين يدخلون هذا العالم
بحسن نية كامل. اتفاقات شفوية، رسائل مقتضبة، وعود سريعة، وحديث عابر عن التصميم
والطباعة والتنسيق، ثم يكتشفون لاحقًا أن كتبهم أصبحت معروضة للبيع، أو متاحة للتنزيل
والتداول عبر شبكة الإنترنت، أو متداولة في حملات تسويقية لم يكونوا يعلمون عنها
شيئًا. لا لأن الجميع سيئون بالضرورة، بل لأن الكاتب — في لحظة انشغاله بالنص —
ينسى أن الكتاب بعد نشره لا يعيش داخل اللغة وحدها، بل داخل منظومة حقوقية كاملة.
والمشكلة أن كثيرًا من الكُتّاب ينظرون
إلى الإجراءات القانونية وكأنها نقيض للإبداع، مع أن الحقيقة مختلفة تمامًا.
فحماية المصنف ليست فعل خوف، بل فعل احترام للنص. تمامًا كما يعتني الكاتب بجودة
جمله، عليه أيضًا أن يعتني بمسار كتابه بعد النشر: من يملك حق بيعه؟ من يملك حق توزيعه؟
هل يوجد عقد واضح؟ هل هناك إذن صريح للاستغلال الرقمي؟ وهل يعرف الكاتب أصلًا
الجهات الرسمية التي يمكن أن تحميه إذا حدث نزاع؟
في العالم العربي، لا تزال هذه الثقافة
ضعيفة نسبيًا. كثير من المؤلفين يكتبون سنوات طويلة قبل أن يسمعوا بوجود مكاتب
وهيئات تُعنى بحقوق المؤلفين، أو بإمكانية الانتساب إليها، أو بدورها في حماية
الحقوق الأدبية والمالية للمصنفات. مع أن هذه المؤسسات لم تُنشأ لتكون واجهات
بيروقراطية صامتة، بل لتكون جزءًا من البنية التي تحفظ للكاتب حقه حين يصبح النص
عرضة للتداول والاستغلال.
ولعل ما يحتاجه الكاتب اليوم ليس مزيدًا
من الخوف، بل مزيدًا من الوعي الهادئ. ليس المطلوب أن يتحول كل مؤلف إلى محامٍ،
ولا أن يدخل إلى النشر بعقلية الشك، لكن من الضروري أن يفهم أن الاتفاقات الواضحة
لا تُفسد العلاقات، بل تحميها. وأن العقود ليست إعلانًا لانعدام الثقة، بل وسيلة
لتنظيمها. وأن السؤال عن الحقوق لا ينتقص من القيمة الأدبية للنص، بل يؤكد احترام
صاحبه لجهده ووقته وصوته.
الكاتب الحقيقي لا يكتب كتابه في يوم،
بل يقتطع من عمره ما يكفي ليصنع صفحة واحدة صادقة. ولهذا، فإن التفريط في الحقوق
أحيانًا لا يحدث بسبب سوء النية فقط، بل بسبب ذلك التصور الرومانسي الذي يجعل بعض
المؤلفين يعتقدون أن الأدب يعيش بعيدًا عن الواقع، بينما الحقيقة أن الكتاب، بمجرد
أن يُنشر، يصبح كائنًا قانونيًا أيضًا، له ملكية، وله حدود استخدام، وله حقوق لا
ينبغي أن تضيع وسط المجاملات أو العجلة أو الغموض.
إن حماية المصنف ليست معركة ضد أحد، بل
مسؤولية تجاه الذات أولًا. والكاتب الذي يوثق أعماله، ويسجل حقوقه، ويفهم طبيعة
الاتفاقات التي يبرمها، لا يفعل ذلك بدافع الريبة، بل بدافع النضج. لأن النصوص
الجميلة تستحق أيضًا أن تكون محمية جيدًا.
وربما آن الأوان لأن يدرك مجتمع
الكُتّاب أن الثقافة لا تُبنى بالإلهام وحده، بل كذلك بالوعي. وأن الدفاع عن حقوق
المؤلف ليس شأنًا ثانويًا يُؤجل إلى ما بعد النشر، بل جزء أصيل من رحلة الكتابة
نفسها؛ الرحلة التي تبدأ بفكرة صغيرة في عزلة ما، لكنها لا تكتمل حقًا إلا حين
يعرف صاحبها كيف يحميها وهي تعبر نحو العالم.
وربما لا يحتاج الكاتب، في بداية
الطريق، إلى من يخبره كيف يكتب بقدر ما يحتاج إلى من يرشده إلى كيف يحمي ما يكتب.
فكم من نص خرج إلى العالم قبل أن يعرف
صاحبه أصلًا الجهات التي يمكن أن تحفظ له حقه؟ وهل سبق أن مررت بتجربة شعرت فيها
أن صوتك الأدبي كان يحتاج إلى حماية أكثر من حاجته إلى النشر؟
جهاد غريب
مايو 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق