حين
تُسلَّح الذاكرة
"من
أرشيف الحكمة إلى منصة الإدانة"
كلّنا نحمل أرشيفًا
داخليًا من اللحظات والهمسات واللمسات التي شكّلت هويتنا، أرشيفًا كان من المفترض
أن يكون مكانًا مقدسًا نلجأ إليه لنلتئم ونتعافى ونسترجع أنفسنا، غير أن هذا
المكان يمكن أن ينقلب فجأة إلى ترسانة، فتتحول الزيارات إليه من استدعاء للحنين
إلى استدعاء للاتهام، وتفقد الذاكرة براءتها حين تصبح سجلًا للإثم بدلًا من أن
تكون جسرًا إلى الحكمة. وهكذا تُعلّق صورة على جدار النفس، صورة لابتسامة أو يد في
يد أو غيمة بدت جميلة ذات يوم، ثم تأتي يد التشويه لتضع إطارًا أسود حولها وتكتب
تحتها حكمًا نهائيًا، فيُختزل مسار كامل في خطأ واحد متضخم يصبح علمًا أسود يُرفع
في كل نقاش وصمت ونظرة، ويغدو المبرر الدائم لكل إخفاق والشماعة التي تُعلّق عليها
كل أزمة. وهكذا يتحول الماضي من رفيق إلى خصم.
ومع هذا التحول،
يتجمد الحاضر تحت ثقل الماضي الذي لم يجد طريقًا إلى الغفران، إذ تنبت التشوهات في
تربة القلب الجريح أو النفس الانتقامية التي تبحث عن سلطة في غياب السلاح المادي،
فتتحول دفاتر الماضي من مخطوطات للنمو إلى قيود ثقيلة، وتصبح كل صفحة حاجزًا وكل
ذكرى ثقلًا، ويغدو التذكّر فعلًا للإدانة لا للمحبة. ومن هنا تتحول زيارة الماضي
إلى دخول محكمة يكون فيها الإنسان القاضي والشاهد والجلاد والمتهم في آن واحد،
فيقلب الصفحات لا بحثًا عن الجمال الذي كان، بل عن سطور الإثم وحدها، عن الكلمة
الخطأ، عن اليوم الذي تأخر فيه أحدهم، عن النظرة التي فُسرت بغير مقصدها، كأن
يُعاد استحضار خطأ صغير ارتُكب قبل سنوات ليُستخدم كدليل إدانة جديد، مما يجعل
السجن لا يحبس الماضي وحده بل يحبس المستقبل أيضًا قبل أن يولد.
وبينما يتسع هذا
السجن، يبرز السؤال عن صاحب المفتاح، إذ يمكن لأي طرف أن يسلّح الذاكرة، لكن هذا
السلاح غالبًا ما يصبح أداة في يد من يبحث عن السيطرة في معركة بلا أسلحة ظاهرة،
فيتحول إلى عنف غير مرئي يضرب النسيج الوجودي للإنسان، يضرب تاريخه وصورته عن نفسه
وقدرته على التغيير، ويحوّل الماضي إلى أرض محروقة نحرقها كل يوم بإعادة إشعال جمر
الذكريات المؤلمة، فتتحول العلاقة التي كان يمكن أن تبقى ذكرى جميلة بكل نقصها إلى
ملف اتهام نحمله معنا أينما ذهبنا ونرفعه أمام كل من يقترب. ومع ذلك، فإن الوعي
بهذا التشويه هو أول خطوة نحو تفكيكه.
ومع هذا
الانسداد، يصبح الخلاص مرهونًا بإعادة تأهيل الذاكرة لا بنسيانها، لأن النسيان
مستحيل وربما غير مرغوب، بينما إعادة التأهيل تتطلب زيارة الأرشيف كطلاب حكمة لا
كمدانين، وكباحثين لا كقضاة، واستحضار الماضي لفهم الطريق الذي قادنا إلى هنا لا
لتبرير الألم الحالي، ثم اختيار مسار آخر. ويقتضي ذلك فك الارتباط بين الذاكرة
والعقاب، وإعادة تعريف الذاكرة كشاهد لا كقاضٍ، والبحث عن السياق لا عن الجريمة،
ومنح الذات والآخر عفوًا تأويليًا يقرأ الماضي برحمة لا بقسوة.
وعندما ننجح في
ذلك، نستعيد للذاكرة براءتها، فتصبح مرة أخرى مكانًا يحفظ الجمال والألم معًا
كأجزاء من نسيج واحد، وتتحول إلى منبع للحكمة لا للإدانة، لأن الماضي الذي لا يرحم
هو في الحقيقة قلب لم يرحم نفسه أولًا، والقلب الذي يحمل ضغينة ضد ذاكرته يحبس
نفسه في سجن من صنعه. ومن هنا يصبح إطلاق سراح السجين والسجّان معًا ضرورة، ورمي
مفتاح السجن في بحر القبول والتسامح خطوة أولى نحو علاقة جديدة مع الماضي، علاقة
تشبه علاقة الحديقة ببستانيها، حيث نعتني بالذكرى ونقطع ما يذبل ونسقي ما يمكن أن
ينمو من جديد، لتصبح الذاكرة في النهاية حديقة نتجول فيها لا سجنًا نحتجز فيه. فما
نعيد تأهيله لا يعود ليؤذينا، بل ليعلّمنا.
جهاد غريب
مارس 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق