الطفولة
التي دُفنت مرتين
"حين
يصبح الجسد تهمة والصمت شاهد زور"
تولد الطفولة
كعالم مغلق على قداسته، عالم له حوائط ورقية وسقف من خيال وأرضية من براءة، غير أن
هذا الهدوء لا يلبث أن يُخترق حين يأتي الغريب ليثقب الجدار بيد غليظة، فيدخل بلا
استئذان ويسرق اللعبة ويكسر الدمية ويلوث المساحة المقدسة، مما يجعل الانتهاك
الأول ليس مجرد فعل عابر بل بداية رحلة عذاب طويلة. ومن هنا يتحول الجسد الذي كان
يفترض أن يكون ملاذًا آمنًا إلى دليل يُقرأ خطأ، وإلى نص يُفسر ضد صاحبته، وكأن
البراءة نفسها تُعاد صياغتها كوثيقة اتهام. وهكذا لا يكون الانتهاك فعلًا واحدًا،
بل بداية سلسلة من الجراح.
وبينما تحاول
الطفلة استيعاب هذا الخرق الأول، يتسلل القاتل الثاني: الصمت، ذلك الصمت المتآمر
الذي يلف الجريمة في غلاف العار ويحوّل الضحية إلى شريكة في السر ويحملها وزر
الخاطئ، حيث تُقال لها عبارات تُغلق فمها وتفتح بابًا جديدًا للوجع، فيصبح عليها
أن تحفظ فضيحة لم ترتكبها وأن تحمي سمعة من خان الأمانة، وبذلك يتحول الصمت إلى
لغة كاملة تقول لها إن جسدها هو المشكلة وإن وجودها هو الخطأ وإن ذاكرتها هي
الجريمة.
ومع تراكم هذا
العبء، يبدأ التحول الجوهري الذي ينقل الطفلة من خانة الضحية إلى خانة المتهمة، إذ
يصبح جسدها وثيقة اتهام بدل أن يكون مسكنًا للروح، وتتحول ذكرياتها إلى دليل إثبات
بدل أن تكون سجلًا للبراءة، ويغدو صمتها إقرارًا بالذنب بدل أن يكون صدمة لا كلام
لها، وبناءً على ذلك يبدأ التحقيق المعكوس الذي يوجه الأسئلة نحوها لا نحو
المعتدي، فيُسأل عن ملابسها ومكان وجودها وسبب عدم صراخها، وكأن الضعف موافقة وكأن
التعرض للأذى جريمة بحد ذاته، كأن يُسأل الطفل: لماذا لم تهربي؟ بدل أن يُسأل
المعتدي: لماذا اقتربت؟
ومع استمرار هذا
الانقلاب، تجد الطفلة نفسها تعيش في عالمين متوازيين، حيث تبدو في العالم الأول
طفلة عادية تذهب إلى المدرسة وتلعب وتبتسم، بينما تحمل في العالم الثاني جرحًا لا
يندمل وسرًا كالوشم على الروح وتموت داخليًا كل يوم، مما يجعل البراءة تموت مرتين:
مرة لحظة الانتهاك ومرة لحظة إلقاء اللوم عليها، فتُدفن الطفولة تحت جسد منتهك ثم
تُدفن مرة أخرى تحت ركام من الصمت والاتهام.
ولأن الألم لا
يحدث في فراغ، يظهر مجتمع الشهود الصامتين الذي لا يكون محايدًا، بل يتحول إما إلى
شريك في الصمت أو شريك في الاتهام، فيحمي المعتدي حفاظًا على السمعة ويعاقب الضحية
باللوم ويخفي الجريمة تحت ستار الشرف، وبذلك يُكافأ المجرم ويُعاقب البريء ويُحافظ
على النظام الظاهري على حساب تدمير روح طفلة. ومع ذلك، فإن الاعتراف بالألم هو أول
خطوة نحو استعادة الصوت.
ومع هذا الانهيار
الأخلاقي، يصبح الخلاص مرهونًا بإعادة تعريف المفاهيم، إذ يجب أن ينتقل العار من
الضحية إلى الفاعل، وأن يُفهم الصمت كصدمة لا كموافقة، وأن يُعاد للجسد مكانته
كمسكن مقدس لا كوثيقة اتهام، وأن تُعامل الطفولة كحق مقدس يستوجب الحماية المطلقة،
مما يمهد لولادة جديدة تعيد للضحية كرامتها وصوتها ودعمها وتحوّلها من متهمة إلى
ناجية قوية.
وعندما تتحقق
العدالة، لا تكون مجرد عقاب للمعتدي بل تكون ولادة جديدة للطفلة التي واجهت الشر
وبقيت حية، إذ تُسمع شهادتها ويُحاسب من أذاها ويُفهم صمتها ويُعاد تعريف العار
ليقع على الفعل لا على من تعرض له، مما يفتح الطريق نحو طفولة لا تموت مرتين. فالعدالة
ليست نهاية القصة، بل بداية حياة جديدة.
الطفولة هبة
كونية وحق أساسي، وحمايتها واجب وجودي لأن الطفلة التي تُنتهك وتُلام تصبح امرأة
مجروحة دائمًا، ولأن الدفن الثاني للطفولة يقتل الإنسانية نفسها ويقضي على فكرة أن
البريء يجب أن يُحمى، لذلك يصبح من الضروري إيقاف هذا الدفن ورفع الأكفان عن
الأحياء ومنح كل طفلة حقها في أن تكون طفلة فقط، لا ضحية ولا متهمة ولا حاملة عار،
بل إنسانة صغيرة تستحق البراءة والحماية والطفولة التي لا تُدفن مرتين، لأن
الطفولة التي تُدفن مرة قد تنبعث، أما تلك التي تُدفن مرتين فتبقى تحت الأرض إلى
الأبد، ويصبح المجتمع حينها شاهدًا على جريمتين: جريمة الانتهاك وجريمة الصمت
عليه.
جهاد غريب
مارس 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق