ندوب
لا تُرى
"العنف
الصامت… ورحلة استعادة الذات والكرامة"
ثمة عنف لا يعلن
عن نفسه بضجيج ولا يكسر عظامًا ولا يسيل دمًا، لكنه يترك ندوبًا لا تُرى، ندوبًا
تنغرس في الروح ببطء شديد، وهو عنف الصمت الذي يحدث في أكثر الأماكن قدسية، تحت
سقف البيت وخلف باب الغرفة وفي فضاء العلاقة الذي يُفترض أن يكون ملاذًا. هذا
العنف لا يحتاج إلى قبضة مغلقة، يكفيه صمت مطبق حين تحتاج الروح إلى كلمة، أو نظرة
متعالية تشكك في وجودك، أو تجاهل متعمّد يلغيك ببطء، فيتحول الإلغاء إلى عملية
هادئة تُمارس بلباقة مزيفة تحت شعارات الحب والاهتمام، فتأتي الكلمات المغلفة
بالسكر كسهام مسمومة تقول لك إنك أقل وإنك مخطئة وإنك بحاجة إلى من يصححك، وكأنك
ملكية لا شريكة.
ومع هذا التلاعب
الهادئ، تتعدد أقنعة العنف الخفي، إذ يتخفى أولًا وراء قناع الاهتمام والحماية،
فيصبح التحكم في التفاصيل اليومية اهتمامًا، وعزل الفرد عن أصدقائه حماية، ومصادرة
القرارات توفيرًا للجهد، فتقف الضحية حائرة أمام حب يبدو في ظاهره رعاية وفي باطنه
قيدًا. ثم يظهر القناع الثاني، قناع الاحترام واللباقة، حيث يُمارس العنف ببرود
وهدوء، بلا صراخ ولا إهانات مباشرة، بل بإهمال بارد وتقريع متحضر ومقارنات مهذبة
تحفر في الروح أعمق من أي صراخ، كأن يقول بلهجة هادئة: "أنا لا أصرخ مثلك…
لكنك فعلًا تبالغين". وبعده يأتي القناع الثالث، قناع التضحية والتفاني، حين
يتحول العطاء إلى دين والتضحية إلى سلطة والوجود إلى امتنان أبدي يجب دفعه بطاعة
لا تنتهي، فيُقال: "أنا أتحملك رغم كل شيء" و"كل ما أفعله من
أجلك" و"تخيلي حياتك بدوني". ورغم قسوة هذا المسار، إلا أن الوعي
به هو أول خيط للنجاة.
ومع تراكم هذه
الأقنعة، يبدأ القتل البطيء، إذ لا يموت الجسد بل تموت الإرادة، ولا تتوقف الرئتان
عن العمل بل يتوقف القلب عن الأمل، ولا يختفي الإنسان من المكان بل يختفي وجوده
المعنوي. اليوم تُنتقد على طريقة كلامك، وغدًا تُستهان بفكرتك، وبعد غد يُتجاهل
وجودك العاطفي، وبعد سنة تجدين نفسك امرأة لا تثق بقراراتها، إنسانة تشك في
مشاعرها، كائنًا فقد مساحته الشخصية واحترامه لذاته وقدرته على قول
"لا". وهكذا يتآكل الداخل دون أن يلحظ أحد. وتبقى الندوب حقيقية رغم
أنها داخلية، ندوب الثقة المكسورة والكرامة المهشمة والذات المسلوبة.
ومع أن هذا العنف
يمكن أن يصيب أي إنسان، إلا أن المرأة تُستهدف بشكل خاص في مجتمعات كثيرة، ورغم أن
النساء يتعرضن له بنسب أعلى، إلا أن هذا العنف يطال البشر جميعًا حين تُختزل
العلاقات إلى سيطرة وخوف، لأن جذوره ليست بيولوجية بل سلطوية وثقافية. حيث يتحول
العنف النفسي إلى السلاح المفضل لأنه غير مرئي ولا يترك أدلة مادية وقابل للتبرير
وفعال في تدمير الداخل ومستدام لسنوات. وهكذا تُحاصر المرأة في شبكة من التوقعات
غير المعلنة والمقارنات المستمرة والتقريع اللطيف والاستهانة المزمنة، فتبدأ تشك
في نفسها وتتساءل إن كانت هي المخطئة أو الحساسة أو غير القادرة على تقدير
"الاهتمام"، فتتحول الضحية إلى شريكة في اضطهاد ذاتها. لكن وسط هذا
التآكل البطيء، يبقى هناك خيط رفيع يمكن الإمساك به.
ومع هذا الانهيار
الداخلي، يبدأ الخلاص من نقطة واحدة هي التسمية، إذ يجب أن تعرف المرأة أن ما تمر
به له اسم: عنف نفسي، وأن تفهم أن الإهانة المقنّعة إهانة، وأن تدرك أن الحب الذي
يجرح ليس حبًا، وأن تعترف بأن الاهتمام الذي يخنق ليس اهتمامًا. ومن هنا تأتي
الخطوة الأولى: كسر العزلة، لأن العنف الصامت يزدهر في الظلام ويكبر في الانفراد،
بينما تبدأ مقاومته بالكلمة التي تُقال، بمشاركة التجربة مع صديقة موثوقة، بقراءة
قصص من مررن بما يشبهه، بمعرفة أنها ليست وحدها. ثم تأتي استعادة اللغة، لأن العنف
يسرق اللغة أولًا ويجعل الضحية تشك في كلماتها ومشاعرها، فتبدأ الاستعادة بإعادة
الثقة في الحدس وفي حق التعبير. وبعدها تأتي إعادة ترسيم الحدود، لأن العلاقة
المسيئة تذيب الحدود وتحوّل كل شيء إلى ملك للطرف المسيطر، بينما الاستعادة تعني
قول "لا" و"هذا مكاني" و"هذا قراري". وأخيرًا تأتي
إعادة تعريف الحب، لأن الحب الحقيقي يحرر ولا يقيد، يسند ولا يهين، ينمي ولا يصغر،
ويحترم المسافة ولا يلغيها.
ومع كل هذه
الخطوات، يصبح الطريق نحو إنسانية أكثر رحمة ممكنًا، لأن محاربة العنف الصامت ليست
معركة قانونية فقط بل معركة ثقافية تعيد تعريف الاحترام والحب والعلاقة الصحية
وحدود الذات، وتدعو إلى خلق علاقات تقوم على المصاحبة لا الامتلاك، وعلى احترام
الحرية لا السيطرة، وعلى رعاية الكرامة لا إشباع الأنا. فالندوب التي لا تُرى تظل
تؤلم، والصمت الذي يقتل يظل قاتلًا، لكن الكلمة التي تُقال والحدود التي تُرسم
والكرامة التي تُستعاد هي بداية الطريق من الظلمة إلى النور، ومن الصمت إلى
الكلام، ومن الوجود المشروط إلى الوجود الحر، لأن كل إنسان – وكل امرأة – تستحق أن
تعيش دون أن تدفع ضريبة وجودها بالصمت.
جهاد غريب
مارس 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق