ضريبة
الوجود
"كيف
يُحاسَب الضوء الأنثوي لأنه يضيء أكثر مما يُسمح له"
منذ اللحظة التي
تُولد فيها روحٌ أنثوية ويُقدَّم لها الوجود كهدية مضيئة، تبدأ في الوقت نفسه دورة
خفية من الجباية، كأن الضوء الذي تحمله يستدعي نظامًا ضريبيًا غير مرئي يقتطع من
رأس مالها الوجودي ضريبة على المشاعر والجسد والفكر والحلم، حتى يبدو أن مجرد
كونها امرأة هو فاتورة تُدفع باستمرار. وكلما أضاءت جوهرها أكثر، ازدادت قيمة ما
يُنتزع منها، وكأن الذات جريمة والنور جريمة والوجود نفسه جريمة.
ومع هذا الثقل
غير المعلن، تظهر سجلات الضرائب الخفية التي تُسجَّل فيها مشاعرها أولًا، إذ يتحول
عشقها الكامل إلى "عاطفية مفرطة"، وحزنها الصادق إلى "دراما"،
وغضبها من الظلم إلى "هستيريا"، بينما يُنظر إلى فرحها الكبير بعين
الشك، فيُسلب من مشاعرها حقها في أن تكون إنسانية. ثم يمتد هذا المنطق ليطال جسدها
الذي يدخل المجال العام لا كمسكن للروح بل كساحة مفتوحة للتشريح والحكم، حيث يصبح
اختيار اللباس بيانًا سياسيًا، وحرية الحركة علامة استفهام أخلاقية، والوجود في
الفضاء العام فعلًا يحتاج إلى تصريح، فيتحول جسدها إلى وثيقة عامة تُفتَّش وتُراقَب
بينما يحتفظ الرجل بجسده كملكية خاصة مغلقة.
ومع كل طبقة من
هذه الجبايات، يتضح أن ما يُنتزع ليس تفصيلاً عابرًا بل جزء من إنسانيتها نفسها. فبينما
تُدفع هذه الضرائب على المشاعر والجسد، تُفرض ضريبة أخرى على العقل والطموح، إذ
تُعاقَب المرأة التي تفكر بجرأة وتطرح سؤالًا صعبًا وتضع حلمها في المقدمة، فيُسمى
تفكيرها "تصعلكًا" وطموحها "تعديًا على المجال الطبيعي" وقوة
شخصيتها "عدوانية"، كأن يُقال لها: لماذا تطمحين لهذا المنصب؟ ألا يكفيك
ما لديك؟ في حين تُمنح الصفات نفسها للرجل تحت مسميات القيادة والحزم والطموح المشروع،
مما يجعل نجاحها يُعاقَب مرتين: مرة في طريق تحقيقه، ومرة حين يتحقق.
ومن هنا يتضح أن
هذه الضرائب ليست عفوية، بل هي نتاج آلة اجتماعية معقدة تعمل على تنميط الوجود
الأنثوي عبر آليات التوقع والمراقبة والعقاب والتبرير، بحيث تُخلق صورة مثالية
متناقضة للأنوثة، ويُحوَّل المجتمع إلى رقيب ذاتي، وتُستخدم أدوات اللوم والعار
كعقوبات، ثم يُقدَّم كل ذلك على أنه طبيعي أو لصالح المرأة نفسها، مما يجعل الهوية
الأنثوية تبدو كجريمة غير معلنة تستدعي المحاسبة لمجرد أنها هي. ومع ذلك، فإن
إدراك هذه الآليات هو بداية تفكيكها.
ولأن السؤال
الجوهري هو لماذا تُدان المرأة لأنها نفسها، يظهر أن السبب أعمق من السلوكيات
اليومية، إذ إن المرأة التي تكون نفسها تمامًا تزعزع النظام القائم المبني على
التسلسل الهرمي للأدوار وعلى السيطرة عبر التوقع، فالمرأة التي ترفض تخفيف ضوئها
تكشف زيف النظام، وصراحتها تكشف الأقنعة، وقوتها تهدد مراكز القوى، وإنسانيتها
الكاملة تذكّر الجميع بأنها ليست كائنًا خاصًا بل إنسان كامل الأهلية له الحق في
كل التجارب الإنسانية، مما يجعل التهديد الحقيقي ليس في المرأة بل في الحرية التي
تمثلها.
ومع هذا الوعي،
تصبح المقاومة ضرورة وجودية، تبدأ بالتعرية التي تكشف الآلية وتسميها، ثم بالتضامن
الذي يجمع الضمائر الرافضة للابتزاز الوجودي، ثم بالجسارة التي تجعل المرأة تقول
بوضوح إن وجودها ليس جريمة بل هدية، وإن نورها ليس عبئًا بل حقًا أصيلًا. وعندما
تتوقف المرأة عن دفع هذه الضرائب، لا تتحرر وحدها بل يبدأ المجتمع كله في التحرر
من أوهام السيادة وسجون الأدوار وفقر الروح الناتج عن قمع نصف طاقته الإبداعية.
وهكذا تُعلن
المرأة التي ترفض الجباية ولادة إنسانية جديدة لا تُقاس بالقوالب ولا تُحاسَب على
وجودها، بل يُحتفى بها كما هي، لأنها الضوء نفسه، ولأنها تُنير الطريق نحو عالم لا
ضرائب فيه على الوجود، بل اعتراف بأن كونها امرأة – كونها إنسانًا – ليس عبئًا
تدفع ثمنه، بل هدية تقدمها للعالم، مشعّة وكاملة وحرة كما تستحق. فالتحرر لا يبدأ
بإلغاء الضرائب، بل بإلغاء فكرة أن الوجود نفسه قابل للمحاسبة.
جهاد غريب
مارس 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق