الاثنين، 16 مارس 2026

المدرسة... مركز اختبارات!

 

المدرسة... مركز اختبارات!

 

"رحلة التعليم من الفصول الافتراضية إلى الامتحانات اللامتناهية"

 


في زمن التحولات الرقمية الكبرى، قررت وزارة التعليم أن تساير العصر، فحولت مدارسنا إلى ما يشبه "فروع بنوك" ولكن لاختبارات الطلاب لا للمعاملات المالية. المعلم الذي كان بالأمس القريب مربياً يشرح الدرس مرات ومرات حتى يطمئن لفهم الصغير قبل الكبير، أصبح اليوم مجرد "مراقب جلسات" يوزع أوراق الأسئلة ثم يتفرغ لاحتساء قهوة الصباح وأخرى بعد الظهر، بينما تتولى المنصات الإلكترونية مهمة الشرح والتصحيح. يا له من تطور مذهل! المعلم لم يعد يشقى بسبورته وطباشيره، بل صار مشرفاً على آلة تصحيح لا تعرف التعب، ولا تحتاج لإجازة أسبوعية.

 

المشهد الصباحي في المدارس اليوم يستحق فيلماً وثائقياً بعنوان "مدرسة بلا معلمين". تدخل الفصل فلا تجد من يشرح، بل تجد وجوهاً طلابية تحدق في شاشاتها المنتظرة، تنتظر دورها في اختبار لا ينتهي. لقد تحول العام الدراسي برمته إلى ماراثون امتحاني متواصل، حيث تم استبدال الحصص الدراسية الحقيقية بأسابيع تمهيدية للاختبارات، وأسابيع للاختبارات نفسها. وفي النهاية، الطالب المسكين لا يعرف من المدرسة سوى ورقة الأسئلة وقاعة الامتحان التي كانت في الماضي القريب فصلاً دراسياً.

 

يبدو أن الوزارة مقتنعة تماماً أن العقل البشري يعمل بمنطق "ضغطة زر"، وأن الطالب يمكنه استيعاب المنهج الدراسي بمجرد أن يجلس في قاعة امتحان. اختبر الآن، ثم اختبر غداً، ثم اختبر بعد غد، وكأن التعلم عملية ميكانيكية بحتة لا تحتاج لتربية ولا تفاعل ولا حتى إصغاء لتساؤلات الطلاب. الطالب اليوم في حالة "تعبئة عامة" دائمة، لا يعرف من المدرسة سوى ورقة الأسئلة، وأصبح شغفه بالتعلم في خبر كان، وحل محله هاجس الدرجات والعلامات التي أصبحت الهدف الأوحد من العملية التعليمية برمتها.

 

أما ولي الأمر، فهذه قصة أخرى من العذاب اليومي. تحول المنزل إلى فرع غير رسمي لوزارة التعليم، أو بالأحرى لوزارة الامتحانات. الأب الذي كان يظن أن دوره انتهى بتأمين المصروف والمواصلات، استيقظ ليجد نفسه أستاذاً متخصصاً في جميع المواد الدراسية. يقضي الليالي محاولاً فك طلاسم الدروس عبر الإنترنت، يبحث عن شروحات على اليوتيوب، يتصل بالأصدقاء يستفسر عن مسألة رياضيات أو قاعدة نحوية، بينما ينام المعلم "المشرف على القهوة" قرير العين.

 

المنزل تحول إلى فصل دراسي بديل، فيه أجهزة موبايل، وكتب ومواد تعليمية متناثرة هنا وهناك، وأعصاب مشدودة. ولي الأمر يضع "خريطة طريق" لكل مادة، ويخطط للجداول، ويشرح الدروس مراراً وتكراراً، ثم يفاجأ بأن المدرسة تطلب من ابنه أن "يفهم لوحده" ويأتي ليختبر في اليوم التالي. وكأن وزارة التعليم تتعامل مع أولياء الأمور كمدرسين خفيين، ولكن دون مقابل طبعاً، ودون شكر أيضاً.

 

الأكثر طرافة في هذا المشهد أن المنصات الرقمية التي يفترض أنها تسهل العملية التعليمية، أصبحت عبئاً إضافياً على الأسرة. فبدلاً من أن تكون أداة مساعدة، تحولت إلى كابوس يومي. الطالب مطالب بالدخول إلى منصة هنا وأخرى هناك، وتحميل ملفات، ورفع واجبات، ومتابعة إعلانات، وكل ذلك بمساعدة ولي الأمر الذي بات خبيراً تقنياً محترفاً رغم أنفه.

 

والمفارقة الأجمل أن المعلم الذي تحول إلى "مشرف قهوة" لا يزال يتقاضى راتبه الشهري من الوزارة، ولكن ليس مقابل جهوده في الشرح أو التربية أو المتابعة، بل مقابل "تفننه التكتيكي" في ابتكار أسئلة غير نمطية، ووضعها بأنماط متعرجة لا تخضع للمراقبة ولا الإشراف، وكأن مهنة التعليم تحولت بالكامل إلى بطولة فردية في صناعة ألغاز امتحانية لا يفك طلاسمها إلا من دفع ثمن الدروس الخصوصية أو أمضى الليالي مع ولي الأمر في فك الشيفرات التعليمية.

 

المدرسة التي كانت بالأمس القريب مكاناً للتعايش الاجتماعي والتفاعل البشري وطرح الأسئلة، تحولت إلى مركز اختبارات آلي. والمعلم الذي كان صديقاً ومربياً وموجهاً، تحول إلى مراقب جلسات ومشرف قهوة، وأحياناً إلى "مهندس أسئلة معقدة" يتفنن في وضع العراقيب الامتحانية. والطالب الذي كان يحب المدرسة ويشتاق لأصحابه ومعلميه، أصبح يراها سجناً مؤقتاً يقضيه بين أسئلة موضوعية ومقالية لا تنتهي.

 

في النهاية، لا بد من وقفة جادة: هل نريد تعليماً حقيقياً يعيد الاعتبار للمعلم المربي، وللطالب المتعلم، وولي الأمر الشريك؟ أم نريد نظاماً اختباريّاً آلياً يقتل الإبداع ويحول العقول إلى أوعية حفظ مؤقتة تفرغ محتوياتها في ورقة الأسئلة ثم تنسى؟ العودة إلى جوهر التعليم المتمثل في الشرح المباشر والتفاعل الحي والإصغاء الحقيقي لتساؤلات الطلاب، ليست ترفاً فكرياً ولا شعاراً قديماً، بل ضرورة ملحة قبل أن ننتج أجيالاً لا تعرف من التعليم سوى أنه ماراثون امتحاني لا نهاية له.

 

جهاد غريب

مارس 2026

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الحلم والانبعاث بين ظلال الليل

  الحلم والانبعاث بين ظلال الليل   "حين يحلم الإنسان بنفسه… يولد كما لم يولد من قبل"   في كل مساء، حين يهبط الليل على العا...