الاثنين، 16 مارس 2026

الذاكرة الفتية: تأملات في سلطة الماضي وأوجاع الحضور

 

الذاكرة الفتية

 

"تأملات في سلطة الماضي وأوجاع الحضور"

 


 

يولد بعضنا بذاكرةٍ لا تهرم، ذاكرةٍ عاصية على النسيان، تنمو أشدّ اخضراراً كلما حاولنا اقتلاع جذورها. إنها ليست مجرد مستودع للصور والأصوات، بل كيان متوحّد بالروح، يرفض أن يكون تابعًا مكتفيًا بدور الخادم الأمين الذي يُستدعى عند الحاجة. بل هو سيد متجبر، يقتحم وعيك في لحظة صفائك الذهني، حين تهمّ بالانسلاخ عن العالم، ليرسي مراسيه في صدرك، فيسألك: أين تظن أنك ذاهب؟

 

تلك هي الذاكرة الفتية، التي لا تهرم أبدًا. تحتفظ بوجعك الأول كما لو أنه وقع قبل لحظة، وتحفظ دهشتك القديمة بنفس الحرارة، وكأن النار لم تخبُ قط. وفي هذا سرّ عذابها وعذوبتها معًا: أنها تجعل منك كائنًا في حالة استنفار شعوري دائم، لا تستكين أبدًا إلى الرضا الراكد، ولا تعرف طعم النسيان الذي يشبه الموت.

 

كم تمنيتُ لو كان النسيان سهلاً، كنفض الرمل عن الثياب بعد رحلةٍ شاقة، أو كغروب شمسٍ يطوي خلفه تفاصيل النهار. لكنه ليس كذلك. النسيان ليس فراغًا، بل هو امتلاء بكل ما نريد نسيانه. إنه حضور الغائب بقوة، وتخيُّل ما لا نستطيع طرده. هو الأمنية التي ننام عليها ونصحو على استحالتها. في وديان الروح السحيقة، تقبع ذكريات لا تموت. هي أشبه بجثث محنطة، احتفظت بملامحها كأنها ما زالت حية. تحاول أن تدفنها، لكن الأرض تلفظها. تحاول أن تتجاوزها، لكنها تظهر في كل طريق تسلكه. النسيان ملاذ نراه من بعيد، نعرف أنه موجود، لكننا لا نستطيع الوصول إليه. كسراب في صحراء الوعي، كلما اقتربنا منه ابتعد.

 

وإذا كانت الذاكرة بهذه القسوة، فإن العقل يزيد الطين بلة. يرفض قبول الواقع كما هو، فيقذفه في قوالب الماضي، يحلله عبر عدسات بالية، يلبسه أثوابًا من وحي تجارب انقضت. فإذا مررت اليوم بتجربة تشبه تجربة الأمس ولو قليلًا، هرع عقلك ليقرأها بمنطق الأمس، ويحكم عليها بأحكامه، ويخاف منها بمخاوفه. هذا هو فخ الإسقاط: أن نعيش الحاضر كأنه الماضي، أن نعامِل الناس الجدد كأنهم الراحلون، أن نخاف من أشياء لم تعد موجودة. إنه شكل من أشكال الجنون الخفيف، ارتباك الوعي الذي يرفض أن يرى الشمس إلا من ثقوب الأمس. بينما التغاضي، ذلك المسلك الأنضج، هو أن تمرّ أمام الذاكرة كعابر سبيل، لا كأسير. أن تلمحها من بعيد ثم تمضي.

 

إن أصعب أنواع الشيخوخة هي تلك التي تصيب القلب بينما الملامح لا تزال في ربيعها. في قمة الشباب، قد تشعر بالهرم. ليس هرَم الجسد، بل هرَم الروح. هرَم الذاكرة التي تحمل من الوقائع ما يفوق طاقتك، وما يتجاوز عمرك البيولوجي بأعوام ضوئية. تجد نفسك شابًا في جسدك، عجوزًا في ذاكرتك. تحمل من الذكريات ما يكفي لثلاثين حياة، وما يكفي من الألم لعشرة أعمار. وهنا تكمن المفارقة العجيبة: أنت محاصر بين رغبتين متناقضتين. تريد أن تتذكر لتتعلم، وتريد أن تنسى لتعيش. تريد أن تحتفظ بالحكمة التي منحتها إياك التجارب، وتريد أن تتخلص من الثقل الذي رافق تلك التجارب. وكأن الذاكرة كائن متناقض بطبعه: تمنحك الوعي وتسلبه في الوقت نفسه.

 

ما أشدّ فتنة الذاكرة التي لا تشيخ! تلك التي تحتفظ بتفاصيل الوجع كما لو كانت جرحًا لم يندمل، وتحتفظ بدهشة الفرح كما لو أنها أوّل مرة. هي فتنة لأنها تمنح الحياة كثافة لا يملكها الآخرون. من يعيش بذاكرة فتية، يعيش كل لحظة مرتين: مرة في وقوعها، ومرة في تذكرها. وأحيانًا يعيشها أكثر من مرتين، في كل مرة تستدعيها مناسبة. لكن هذه الفتنة لها ثمن باهظ. إنها تمنعك من أن تعيش بانسيابية، من أن تنساب مع النهر دون أن تتمسك بكل حجر. تجعلك دائم الحذر، دائم الاستعداد، دائم المقارنة بين ما كان وما هو كائن. وفي النهاية، قد تمنعك من رؤية الجمال الجديد لأن عينيك ما زالتا مشدودتين إلى جمال قديم.

 

ربما ليس المطلوب هو النسيان. فذلك مستحيل، وهو لو كان ممكنًا لكان موتًا بطيئًا. وليس المطلوب هو التمسك، فذلك جنون ومرض. المطلوب هو فن التخلي. أن تتحول الذاكرة من سجان إلى عابر سبيل. أن تمرّ بك الذكريات كالغيوم، لا تمطر إلا حين تحتاج، ولا تعتم سماءك إلا بقدر. التخلي ليس نسيانًا، بل هو تحرر من سلطة الماضي. هو أن تعترف بأن ما حدث قد حدث، وأن تتصالح مع هذه الحقيقة. أن تضع ذاكرتك في مكانها الصحيح: ليست عدواً يجب قتاله، ولا قدراً محتوماً يجب الخضوع له. مجرد رفيق درب، أحيانًا يثقل، وأحيانًا يخفف. وفي النهاية، أنت من يقود الطريق.

 

ربما هذا هو سر النجاة: أن تحوّل الذاكرة من عبء إلى معلم. أن تجعل منها حكمة دون أن تكون ثقلًا. أن تسمح لها بالمرور دون أن تسمح لها بالإقامة. أن تعترف بوجودها دون أن تخضع لسلطانها. عندها فقط، تصبح الذاكرة فتية بحق: نابضة بالحياة، لكنها لا تسلب الحياة. حاضرة بقوة، لكنها لا تحتكر الحضور. وتصبح أنت، أخيرًا، حرًا. وعندها فقط، تنحني الذاكرة الفتية احتراماً لإنسانٍ تعلم كيف يغفر للماضي، لكي يمنح الحاضر فرصة الحياة.

 

جهاد غريب

مارس 2026

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المدرسة... مركز اختبارات!

  المدرسة... مركز اختبارات!   "رحلة التعليم من الفصول الافتراضية إلى الامتحانات اللامتناهية"   في زمن التحولات الرقمية ا...