الأربعاء، 25 مارس 2026

شعرة رفيعة تسمى "وهم"

 

شعرة رفيعة تسمى "وهم"

 

"كيف ننسج خيالاتنا ثم نصدقها؟"

 




الأوهام لا تُنسج في فراغٍ خالص، ولا تهبط علينا من خارجنا بوصفها قوى غامضة مستقلة، بل نحن نشارك، في كثير من الأحيان، بمهارة خفية في حبك خيوطها، ثم نندهش لاحقًا من قدرتها على تطويقنا. تبدأ الحكاية عادة من أمنية صغيرة، من رغبة تبدو بريئة في ظاهرها، فنأخذها إلى الداخل، ندفئها بالتفسير، ونحيطها بقراءات منتقاة بعناية، ثم نُقصي كل ما يعارضها أو يهدد رقتها، إلى أن تتشكل أمامنا قناعة مريحة، متماسكة من الداخل، لكنها بعيدة عن الحقيقة. وهنا تظهر تلك الشعرة الدقيقة التي تفصل بين الحلم والوهم؛ فالحلم يعرف أنه طريق مفتوح على الجهد والاحتمال والتأجيل، أما الوهم فيقدّم نفسه باعتباره واقعًا قائمًا لا يحتاج إلا إلى مزيد من التصديق. الحلم يوقظ الإرادة، بينما الوهم يُخدّر البصيرة. وبين الاثنين مساحة غامضة لا يسقط فيها المرء مرة واحدة، بل ينزلق إليها على مهل، مدفوعًا بحاجة نفسية عميقة إلى المعنى أو الأمان أو النجاة من وجع لا يريد مواجهته مباشرة.

 

الوهم، في جوهره، لا يبدأ بالكذب، بل بالرغبة. رغبة في الحب، أو النجاح، أو الاعتراف، أو الإنقاذ، أو حتى في الهروب من واقع أثقل من أن يُحتمل. ومن هذه البذرة الصغيرة يشرع العقل في أداء عمل معقّد ومثير في آن؛ إذ لا يتعامل مع الرغبة بوصفها مجرد ميل داخلي، بل يعيد ترتيب العالم من حولها. ينتقي من المشهد ما يؤيدها، ويهمّش ما ينقضها، ويلتقط العلامات الصغيرة كما لو أنها أدلة حاسمة. ابتسامة عابرة قد تتحول إلى وعد، وتأخرٌ عارض قد يُفسَّر بوصفه اختبارًا، وصمتٌ طويل قد يُعاد تأويله على أنه عمق لا يُفصح عن نفسه بسهولة. وهكذا لا يرى الإنسان الأشياء كما هي، بل كما يحتاج إليها أن تكون.

 

ثم يأتي دور الخيال، لا بوصفه ملكة جمالية فحسب، بل بوصفه أحيانًا شريكًا بارعًا في صناعة الالتباس. يصبح العقل مخرجًا ماهرًا، يعيد ترتيب المصادفات كما لو كانت إشارات مقصودة، ويصوغ من التفاصيل اليومية العادية حبكة سرية تبدو متماسكة تمامًا. ما يحدث في الخارج قد يكون بسيطًا ومباشرًا، لكن ما يحدث في الداخل بالغ التعقيد؛ إذ تتداخل الرغبة بالخوف، والذكرى بالتوقع، والاحتياج بالتفسير، حتى يغدو الوهم بناءً داخليًا له منطقه الخاص. وهنا لا تعود المشكلة في نقص المعلومات، بل في فائض المعنى الذي نُسقطه على كل شيء. نحن لا نقرأ الواقع فقط، بل نكتب فوقه نصًا آخر، ثم ننسى في لحظة ما أنه من تأليفنا.

 

بهذه الطريقة تتشكل الفقاعة الوهمية: عالم داخلي منسجم مع نفسه، مريح في منطقه، رحيم بمخاوفنا، كريم مع رغباتنا، لكنه منفصل عن وقائع الحياة كما هي. وهي فقاعة لا تجذبنا لأنها زائفة، بل لأنها تمنحنا ما يعجز الواقع أحيانًا عن منحه بالسرعة التي نشتهيها: أملًا بلا كلفة، ويقينًا بلا برهان، ورضًا بلا اختبار. ولذلك قد يبدو الوهم، في مراحله الأولى، أكثر إنسانية من الحقيقة، وأكثر دفئًا من الوقائع الجافة، وأكثر قدرة على تسكين القلق. لكنه يفعل ذلك بثمن مؤجل، لأن ما يمنحه من راحة مؤقتة يسحبه لاحقًا من رصيد العيش الفعلي.

 

وتظهر هذه الفقاعة في حياتنا اليومية بوجوه كثيرة، لعل أكثرها وضوحًا ما يحدث في العلاقات. فنحن لا نقع دائمًا في حب الأشخاص كما هم، بل كثيرًا ما نقع في حب الصورة التي صغناها لهم داخلنا. نعطيهم من أمنياتنا أكثر مما تعطينا أفعالهم، فنرى في الكلمة العابرة اهتمامًا، وفي التردد عمقًا، وفي الغياب اختبارًا، وفي الفتور حياءً، وفي اللامبالاة نوعًا من التعقيد الجذاب. لا نفعل ذلك لأننا سذّج بالضرورة، بل لأن النفس حين تتعلق بإمكانية ما، تصبح مبدعة في الدفاع عنها. وهكذا يمكن أن تُبنى قصة كاملة من نظرات قليلة ورسائل مقتضبة وصمت طويل نملؤه نحن بما نشاء من التأويلات، ثم تأتي الصدمة حين يقول الطرف الآخر، ببساطة موجعة، إننا فهمنا ما لم يكن مقصودًا أصلًا.

 

ولا يقتصر الأمر على بدايات العلاقات، بل يمتد أيضًا إلى العلاقات الطويلة التي نستمر فيها أحيانًا لا لأن الواقع يدعمها، بل لأننا نؤمن بوهم التغيير القادم. نقنع أنفسنا بأن ما يتكرر سيتبدل، وأن الجرح ذاته سيتحول يومًا إلى درس كافٍ للطرف الآخر، وأن ما أثبت عجزه مرارًا سيزهر فجأة فقط لأننا صبرنا أكثر. والحال نفسها تتكرر في العمل والطموح، حين يبالغ الإنسان في تقدير موهبته أو في قرب نجاحه، لا انطلاقًا من إنجاز واضح، بل من قصة داخلية يحب أن يصدقها. يصبح الفشل مؤامرة، والتعثر المؤقت ظلمًا دائمًا، والمشروع غير المكتمل نبوءة عبقرية لم يفهمها العالم بعد. وبين هذا وذاك، قد ننتقل من فكرة إلى أخرى، ومن اندفاع إلى آخر، مقتنعين في كل مرة أننا نقف أمام "فرصة العمر"، بينما نحن في الحقيقة نؤجل الاختبار الحقيقي الذي وحده يكشف ما إذا كان الأمر حلمًا قابلًا للتحقق أم وهمًا يتغذى على التأجيل.

 

حتى صورتنا عن أنفسنا لا تنجو من هذه الصناعة الدقيقة. فقد نخلق نسخة مثالية مبالغًا فيها من ذواتنا، فنرى قدراتنا أكبر مما تحتملها التجربة، أو على العكس نحبس أنفسنا داخل صورة ناقصة نكررها حتى نصدقها، فنحسب عجزنا قدرًا ثابتًا لا يمكن تجاوزه. والمفارقة أن المبالغة في تقدير الذات والمبالغة في جلدها تلتقيان في شيء واحد: كلتاهما ابتعاد عن الواقع. كلاهما يمنع النمو لأنه لا ينطلق من رؤية صادقة، بل من رواية داخلية منحازة، مرة إلى التمجيد، ومرة إلى الإلغاء.

 

لكن كيف نكتشف أننا لا نحلم فقط، بل نعيش داخل وهم؟ غالبًا لا يأتي الاكتشاف دفعة واحدة، بل عبر إشارات متكررة نحاول في البداية تجاهلها. تتكرر الفجوة بين ما نتوقعه وما يحدث فعلًا، فنسرع إلى التبرير بدل المراجعة. نستهلك وقتًا طويلًا في تفسير سلوك الآخرين أكثر مما نلاحظ سلوكهم ذاته. نرفض المعلومات التي تربك قصتنا الداخلية، أو نقلل من شأنها، أو نعيد تأويلها حتى لا تهدد البناء الذي تعبنا في إنشائه. نعيش في المستقبل أكثر مما نعيش في الحاضر، ونستمد طاقتنا لا من واقع يجري، بل من احتمال نعلّقه أمامنا كأنه حقيقة مؤجلة قليلًا لا أكثر. وكلما حاول أحدهم أن يوقظنا، بدا لنا كأنه لا يفهم عمق ما نراه، بينما الحقيقة الأرجح أنه يرى ما نحاول نحن ألّا نراه.

 

والخروج من الوهم لا يتم بالعنف على النفس، ولا بالسخرية من هشاشتها، لأن الوهم في الأصل ليس رذيلة أخلاقية، بل آلية دفاع طبيعية تلجأ إليها الروح حين يكون الواقع أفدح من أن يُستقبل عاريًا. لذلك فإن أول خطوة نحو النجاة ليست الاحتقار، بل الفهم. أن نسأل أنفسنا بصدق: ما الذي أحتاج إلى أن يكون صحيحًا حتى أتمسك بهذا التأويل؟ ما الذي أخشاه لو اعترفت بأن الصورة التي أعيش فيها ليست دقيقة؟ ثم يأتي بعد ذلك اختبار الواقع، لا بالمشاعر، بل بالأفعال والوقائع الخارجية. فالوهم يعيش على التوقع، بينما يضعفه الاحتكاك المباشر بما هو قابل للقياس والتجربة. كما أن وجود شخص صريح يحبنا بما يكفي ليزعج راحتنا قد يكون منقذًا حقيقيًا، لأن بعض الأوهام لا تنكسر من الداخل بسهولة، بل تحتاج إلى مرآة لا تجامل.

 

ونحتاج أيضًا إلى قدر من الشجاعة يسمح لنا بفصل الرغبة عن التقييم. ليس كل ما نتمناه موجودًا، وليس كل ما نشعر به دليلًا، وليس كل ما نخشاه حقيقة. وهذه الجملة البسيطة، على صعوبتها، تصنع فرقًا هائلًا في صفاء الرؤية. فالحياة لا تمنح اليقين الكامل إلا نادرًا، والعيش الناضج لا يقوم على مطاردة ضمانات مطلقة، بل على احتمال المساحات الرمادية من غير أن نملأها دائمًا بالقصص المريحة.

 

إن الشعرة الرفيعة بين الحلم والوهم هي الوعي. الحالم يعرف، في مكان ما من ذاته، أنه يبني طريقًا إلى شيء لم يتحقق بعد، وأن هذا الطريق يحتاج إلى صبر وعمل واختبار وتصحيح. أما الواهم فيعيش داخل النتيجة قبل أن تولد، ويقيم في عالم صاغه من التمني والتفسير، ثم يطالبه بأن يكون بديلًا من الواقع. والفرق بينهما ليس في جمال الصورة، بل في مقدار الصدق الذي تحمله. الحلم يمدّ الإنسان بطاقة للحركة، أما الوهم فيمنحه راحة زائفة تعطل الحركة نفسها.

 

وحين نتعلم اكتشاف أوهامنا، لا نخسر الأمل كما نظن، بل ننقذه من أن يُستهلك في مسارات كاذبة. لا نقتل الأحلام، بل نحررها من الضباب، ونمنحها أرضًا أصلب يمكن أن تنبت عليها. فمواجهة الوهم ليست تخريبًا للجمال، بل إنقاذًا له من الزيف. والحياة، بكل ما فيها من تعقيد وألم ونقص واحتمال، تظل أكرم من أن نهجرها إلى واقع بديل صنعناه بأنفسنا ثم صدّقناه. إنها تستحق أن تُعاش كما هي، لا كما يجمّلها خوفنا، ولا كما يعيد تشكيلها احتياجنا، بل كما تكشفها لنا الشجاعة حين نختار أن نرى.

 

جهاد غريب

مارس 2026

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرافئ الاندهاش: في حضرة الأمان المستحيل

  مرافئ الاندهاش: في حضرة الأمان المستحيل   "فلسفة الانعتاق من إرث القلق إلى فردوس الاحتواء"     حين نعتاد القلق، يصبح ا...