لطف
مُضلِّل
"حين
يجرح اللطف أكثر مما يداوي"
بنيّة طيبة،
وكلمات تُقال لتسكين اللحظة، ووعود لا تُقصد بوصفها وعودًا كاملة، قد تتحول في قلب
الطرف الآخر إلى التزامات ثقيلة وديون عاطفية لم ننتبه يومًا أننا أنشأناها. نحن
نعيش، في كثير من الأحيان، داخل ثقافة تمجّد اللطف بوصفه قيمة عليا، لكنها لا
تعلّمنا بما يكفي حدوده الدقيقة ولا مسؤوليته الأخلاقية. ولهذا نلجأ، عند التوتر
أو الحرج أو العجز، إلى الكلمات المريحة التي تخفف وطأة اللحظة الراهنة، غير
مدركين أن ما يهدئ الآن قد يوجع لاحقًا، وأن العبارة التي بدت لنا مجرد مواساة
عابرة قد تستقر في نفس الآخر بوصفها وعدًا، أو احتمالًا راجحًا، أو بابًا فُتح له
ثم أُغلق بصمت. وهكذا يتحول الكلام الطيب إلى عبء، والنية الحسنة إلى وعد كاذب،
والتعاطف اللحظي إلى جرح مؤجل لا لأننا أردنا الإيذاء، بل لأننا لم ندرك أن
للكلمات بعد خروجها حياة أخرى لا تخضع لما قصدناه نحن، بل لما تعلّق بها في وجدان
من سمعها.
في قلب هذه
المعضلة فجوة دقيقة وعميقة في آن، هي الفجوة بين النية والفهم. فنحن، حين نتكلم،
ننطلق غالبًا من داخلنا: من مقدار قدرتنا، ومن حالتنا الشعورية، ومن الرغبة في
الظهور بمظهر المتفهّم أو الرحيم أو غير القاسي. أما الطرف الآخر، فإنه لا يستقبل
كلماتنا من داخلنا، بل من داخله هو: من حاجته، وخوفه، وانتظاره، وضعفه، وتعلّقه
بأي خيط قد يخفف عنه حيرته. نحن نقول مثلًا: "سأحاول مساعدتك"، ونقصد
بها أننا سنفكر في الأمر أو سنبذل جهدًا محدودًا إن أمكن، لكن المتلهف، وهو يسمع
من موقع احتياج لا من موقع راحة، قد يلتقط منها معنى أقوى بكثير:
"سيساعدني". نقول "إن شاء الله" على سبيل الرجاء أو التمني أو
تعليق الأمر على ما لا نملك، بينما يسمعها من ينتظر على أنها مؤشّر قريب على
التحقق. نقول "أكيد بنشوف" لنغلق الحديث بلطف ونؤجل الحسم، بينما يبني
الطرف الآخر عليها مساحة انتظار كاملة. الكلمة هنا لا تتغير في بنيتها، لكنّها
تتمدد في الأذن التي تستقبلها، وتنتفخ بالمعاني لأن الحاجة نفسها تضخ فيها ما ليس
فيها.
وهذا لا ينشأ
بالضرورة من سوء نية، بل من اختلاف السياقات النفسية بين من يتكلم ومن يسمع.
فالمحتاج لا يسمع اللغة بوصفها تراكيب محايدة، بل بوصفها احتمالات نجاة. أما
المجيب بلطف، فإنه يكون غالبًا في موضع أكثر أمانًا، فلا يشعر بثقل ما يمكن أن
تصنعه جملة واحدة في نفس مترقبة. ومن هنا تبدأ المأساة الهادئة: ليس لأن أحد الطرفين
أراد الخداع، بل لأن أحدهما تكلم بخفة لحظة، بينما تلقّى الآخر الكلام بثقل مصيري.
وتصبح اللغة
نفسها، في مجتمعاتنا، تربة خصبة لهذا الالتباس. فنحن لا نرتاح كثيرًا إلى كلمة
"لا" حين تأتي واضحة، وننظر أحيانًا إلى الرفض الصريح كما لو كان خشونة
أو نقصًا في الذوق، فنميل إلى التلميح بدل التصريح، وإلى المجاز بدل الحسم، وإلى
العبارات المطاطية التي تترك لنا مجالًا للانسحاب لاحقًا من غير أن نبدو قساة. غير
أن اللغة التي تبدو أنيقة في المجاملة تصبح شديدة الخطورة حين تتعلق بتوقعات
حقيقية لإنسان ينتظر جوابًا أو فرصة أو دعمًا أو علاقة. فالجمال البلاغي لا ينقذ
أحدًا إذا كان يتركه في الضباب. بل إن لحظات التعاطف نفسها قد تدفعنا إلى المبالغة
في الوعود أكثر من لحظات البرود، لأننا نرغب، ونحن نرى ألم الآخر، في تخفيفه
بسرعة، فنقول: "كل شيء سيكون بخير"، أو "سأكون أول من يدعمك"،
أو "لا تقلق، الأمور ستتيسر"، من غير أن نملك لهذا الكلام سندًا واقعيًا
أو قدرة فعلية. في تلك اللحظة ينتصر تسكين الألم الآني على أمانة القول، فنمارس،
من حيث لا نشعر، نوعًا من القسوة المؤجلة باسم الرحمة.
وقد يبدو هذا
الفعل بسيطًا، لكنه يترك أثرًا بالغ العمق، لأن الإنسان لا يتأذى فقط من الخذلان
المباشر، بل من اكتشافه أن ما اتكأ عليه لم يكن موجودًا أصلًا. ليس الجرح في أن
المساعدة لم تأتِ، بل في أن الأمل بُني عليها ثم تُرك ينهار وحده. وليس الألم في
أن الوعد لم يتحقق فحسب، بل في أن صاحبه لم يشعر أصلًا بأنه قد وعد. وهنا يصبح
اللطف المضلّل مؤذيًا على نحو خاص، لأنه لا يجرح بضربة صريحة يمكن التعافي منها،
بل يترك الآخر عالقًا في مساحة انتظار مائعة، يفسر الصمت، ويبرر التأخر، ويمنح
الكلمات فرصًا إضافية، إلى أن يكتشف متأخرًا أنه كان يستند إلى هواء.
ومن هنا تظهر
الحاجة إلى ما يمكن تسميته بلغة المسؤولية؛ لغة لا تكتفي بحسن النية، بل تعي وزن
العبارة وما قد تفتحه من أبواب في نفس الآخر. وهذه اللغة لا تعني الجفاف ولا
القسوة، بل تعني أن يكون الإنسان أمينًا في التعبير عن قدرته وحدوده، وألّا يسمح
لتعاطفه بأن يتحول إلى تضليل. فالوضوح في النفي أرحم من الضبابية في الإيجاب،
والاعتراف بالمحدودية أشرف من توزيع الوعود تحت ضغط اللحظة. يمكن للمرء أن يقول:
"أقدّر طلبك كثيرًا، لكنني لا أستطيع أن أعدك بالمساعدة الكاملة، وأستطيع فقط
أن أفعل كذا"، بدل أن يمنح الآخر موافقة رخوة لا يعرف كيف سيخرج منها لاحقًا.
ويمكن أن يقول: "أتمنى لك التيسير، لكن الأمر ليس بيدي"، بدل أن يلبس
التمني ثوب التأكيد. ويمكنه أن يحدد الزمن والفعل بوضوح: "سأتصل بك يوم
الخميس، وإن لم أفعل فاعتبر أنني لم أتمكن"، لأن التحديد، مهما بدا أقل
دفئًا، أكثر احترامًا من الوعود الفضفاضة التي تُبقي الناس معلّقين.
كما أن فصل
المشاعر عن الوقائع يُعدّ من أنبل صور هذا الوعي. فمن حق الإنسان أن يتعاطف من غير
أن يعد، وأن يواسي من غير أن يورّط نفسه أو غيره في توقعات غير واقعية. يمكنه أن
يقول: "أشعر بألمك، وأتمنى لو أملك الحل، لكنني لا أملكه، وسأكون معك
معنويًا"، وهذه العبارة، على بساطتها، أنقى أخلاقيًا من جمل كثيرة أجمل منها
لفظًا وأفقر منها صدقًا. إنها لا تبخل بالعاطفة، لكنها لا تزور الحقيقة أيضًا.
وهنا نصل إلى لبّ
الفكرة: اللطف الحقيقي ليس في منح الأمل الزائف، بل في منح الحقيقة بطريقة لا تجرح
الكرامة. فليس كل ما يخفف الألم في لحظته رحيمًا، وليس كل ما يوجع في بدايته
قاسيًا. أحيانًا يكون الرفض الواضح اللطيف أكثر إحسانًا من الموافقة المرتبكة،
لأنه يحفظ وقت الآخر، ويصون ثقته، ويمنحه فرصة ترتيب حياته على أرض صلبة. أما
الوعد الذي لم ينشأ أصلًا إلا من رغبة في تجنب الإحراج، فهو لا يحمي سوى قائله من
مشهد الألم المباشر، ثم يسلّم ذلك الألم لاحقًا إلى صاحبه وقد تضاعف.
ولعل ما يجعل هذا
النوع من اللطف مضلّلًا حقًا هو أننا نمارسه أحيانًا لا حبًا في الآخر فقط، بل
حبًا في صورة أنفسنا أمامه. نريد أن نظل أشخاصًا طيبين في أعين من حولنا، فنتهرب
من كلمة صعبة، ونستبدلها بعبارة أكثر نعومة وأقل صدقًا. نحن، في هذه اللحظة، لا
نحمي الآخر وحده من الانكسار، بل نحمي أنفسنا من الشعور بالذنب أو من ثقل
المواجهة. ولهذا فإن إعادة تعريف اللطف تبدأ من شجاعة داخلية: شجاعة أن نعترف بحدودنا،
وأن نتحمل مسؤولية وضوحنا، وأن نفهم أن الاحترام لا يكون دائمًا في التخفيف
الفوري، بل كثيرًا ما يكون في الصدق المهذّب.
ربما آن الأوان
لأن نعيد النظر في المعنى الذي نعطيه للكلام الجميل. فليس اللطف أن نقول ما يريح
السامع الآن مهما كانت كلفته لاحقًا، بل أن نقول ما ينفعه بقدر الإمكان من غير أن
نهدر حساسيته أو نهين احتياجه. وليس التعاطف أن نبني للآخر قصورًا من الهواء ثم
نتركه يسقط منها وحده، بل أن نعامله باعتباره إنسانًا يستحق الحقيقة، ويستحق أن
تُقال له بطريقة تحفظ ماء قلبه. إن أعظم لطف يمكن أن نقدمه أحيانًا ليس أن نمنح
الأمل كيفما اتفق، بل أن نكون أمناء على آمال الناس، فلا نزيدها إلا إذا كنا
مستعدين لحمل تبعات ما نقول. ففي النهاية، ليست الكلمات الطيبة مسؤولة فقط عن جمال
اللحظة، بل عن الأثر الذي تتركه بعدها، وهذه المسؤولية هي ما يميّز اللطف الحقيقي
من لطفٍ يضلّل، ويواسي في الظاهر، بينما يزرع في العمق خيبة كان يمكن تجنبها بقدر
قليل من الشجاعة، وكثير من الصدق الرحيم.
جهاد غريب
مارس 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق