حين
تتحوّل الحفاوة إلى محكمة صامتة
"عن
الضيافة التي تضيء الوجوه ثم تُحرق الأرواح"
في الأطراف
الهادئة للمدن الكبرى، حيث يبدو القرب من العاصمة وعدًا غير مكتمل، تتشكّل البيوت
على إيقاع واحد: أبواب تُفتح بسخاء، موائد تُمدّ بحسن نية، ووجوه تُقابل الضيف بابتسامة
دافئة. كل شيء يوحي بأن الضيافة هنا طقسٌ قديم، محفوظ بعناية، يُؤدّى بإتقان. غير
أن الطقوس، حين تُفرغ من معناها، قد تتحوّل إلى أقنعة، وحين تُبالغ في أدائها قد
تنقلب على أصحابها وضيوفها معًا.
يأتي الضيف
محمّلًا بتوقّعات بسيطة: أن يُرى كما هو، وأن يُترك له هامش آمن للوجود. يبدأ
المساء خفيفًا؛ كلمات مجاملة، ضحكات مقتضبة، أسئلة عامة لا تبحث عن إجابات بقدر ما
تُعلن النية الحسنة. ثم ينفضّ الجمع، ويبقى شخص واحد، كأن المساء اختاره دون غيره.
هنا، في المساحة التي تُغلق فيها الأبواب ويهدأ الصوت العام، يبدأ الضوء في
التضييق. ليس ضوء المصباح، بل ضوء الانتباه المُفرط؛ ذلك الذي لا يكتفي بأن يُنير،
بل يحدّق، يفتّش، ويطلب تفسيرًا لكل حركة وصمت.
تتحوّل المداعبة
إلى مساءلة، والنكتة إلى معيار، والسؤال البريء إلى قيد. "لماذا تفعل؟ ولماذا
لا تفعل؟" أسئلة تُلقى بخفة اللسان وثقل النية، تُقدَّم بوصفها اهتمامًا،
لكنها تُمارَس كسلطة. في هذه اللحظة، يشعر الضيف أنه لم يعد ضيفًا، بل موضوعًا؛
كائنًا موضوعًا تحت مجهر القرب، حيث تُقرأ التفاصيل الصغيرة بوصفها اعترافات،
ويُعاد تأويل الاختلاف بوصفه خللًا.
الفلسفة هنا لا
تحتاج كتبًا؛ إنها تُولد من التجربة. حين يتحوّل القرب الاجتماعي إلى امتلاك، وحين
يُختزل الودّ في حقّ السؤال، يُصاب المعنى في مقتل. فالضيافة، في جوهرها، اعتراف
بحق الآخر في أن يكون مختلفًا دون أن يبرّر اختلافه. أما حين تُستدعى الأسئلة
لتقويم الحياة الخاصة، فهي لا تفعل أكثر من أن تُربك الصورة الأخلاقية التي نظنّها
مكتملة، وتفتح شقوقًا صغيرة في خطاب الطمأنينة، تكشف عن قلقٍ جماعي: خوف من
الغريب، حتى لو كان قريبًا؛ وخوف من المرآة التي قد تعكس هشاشتنا.
نفسيًا، يتكسّر
الضيف على نحوٍ لا يُرى. لا يصرخ، لا يحتج، بل يبتسم ويصمت. الصمت هنا ليس رضا، بل
آلية دفاع. إنه يحاول أن يحفظ كرامته من التشقق، وأن يخرج بأقل الخسائر. يغادر
المكان وهو يحمل مفارقة مؤلمة: دُعي بكرم، وغادر مثقَلًا. لم يُنتقص من الضيافة،
بل من الطمأنينة التي تُكمل معناها.
ما يحدث ليس
حادثة فردية، بل نمط يتغذّى على فكرة "نحن نعرف مصلحتك أكثر منك". إنها
فلسفة الوصاية المتخفّية في ثوب المحبة، حيث يُقاس الصواب بقربه من النموذج
السائد، ويُحاسَب المختلف لأنه تجرأ على أن يعيش بطريقته. في هذا السياق، يتحوّل
البيت من ملاذ إلى مسرح، ويتحوّل الإخوة من مستضيفين إلى قضاة غير معلنين، وتتحوّل
النوايا الحسنة إلى نتائج تُثقِل العلاقة دون قصد.
الرسالة التي
يتركها هذا المساء لا تُكتب على ورق، بل تُنقش في الذاكرة: ليس كل دفءٍ رحمة، وليس
كل سؤال اهتمامًا. الاحترام ليس أن نعرف عن الآخر أكثر، بل أن نترك له حقّ الغموض.
والضيافة ليست امتحانًا للأفكار، بل مساحة للأمان. حين نفشل في ذلك، نخسر ضيوفنا
بصمت، ونظنّ – خطأً - أننا أحسنّا إليهم.
ربما آن الأوان
لإعادة تعريف الحفاوة: أن نضيء الطريق دون أن نُعمِي العيون، وأن نفتح الأبواب دون
أن نغلق المسافات. فبين النية والفعل مسافة أخلاقية، لا يجسرها إلا وعيٌ يعترف بأن
الإنسان ليس مشروع تصحيح، بل كائن يستحق أن يُستقبل كما هو، وأن يُودَّع وهو أكثر
خفة مما جاء.
جهاد غريب
فبراير 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق