الثلاثاء، 10 فبراير 2026

فخ "الجوكر"

 

فخ "الجوكر"

"لماذا قد يقتلك تميزك في بيئة العمل؟"

 


 


في حياة الإنسان لحظات تبدو بسيطة، لكنها تحمل في أعماقها سؤالًا يطرق جدار الروح: ما الذي يليق بي؟ ومتى يكون سحب اليد ضرورة أخلاقية تفوق فضيلة مدّها؟ فالعطاء ليس نهرًا مفتوحًا، والقبول ليس دائمًا فضيلة، كما أن الرفض ليس جفاءً، بل قد يكون أرقى أشكال الحكمة وأصدق تعبير عن احترام الذات.

 

تلمعُ في ذاكرتنا عبارات مثل "خادم القوم سيدهم"، كحِكمة مكتملة، لكنها حين تُختبر في تفاصيل الحياة اليومية تفقد شيئًا من يقينها. تتحول من مبدأ أخلاقي جامد إلى سؤال وجودي مفتوح: هل كل خدمة تُفضي إلى سيادة؟ أم أن بعض العطاء لا يُنتج إلا الاستنزاف، وسوء الفهم، وتشويه الأدوار؟

 

ليست الإشكالية في العطاء ذاته، بل في غياب الوعي الذي يضبطه ويحدد إطاره. فالعطاء، حين يُمارَس بلا إدراك لموقعه وحدوده، يتحول من فعل نبيل إلى عبء صامت، ومن قيمة إنسانية إلى التباس أخلاقي خطير. هناك خدمة تولد من المحبة وأخرى من الوعي، وثالثة تولد من غشاوة تجعل الإنسان يخلط بين الكرم وبين التعدي على مساحة قدسه الداخلي. ليس كل عطاء نورًا يرفع صاحبه، فبعضه يهبط بالإنسان لأنه يخرجه من موقعه الطبيعي، ويضعه في دور لا يشبهه.

 

الانزياح من الموقع: عندما تختلط الأدوار

 

في العلاقات الإنسانية والمهنية، لكل إنسان موضع يقف فيه، ومفاصل واضحة تتحرك داخلها علاقاته، ودور يمنحه شرعية الفعل. حين يُطلب منك تجاوز هذه المفاصل، لا بد أن تتوقف. لا اعتراضًا مجردًا، بل وعيًا. تسأل نفسك: هل ما يُطلب امتداد طبيعي لموقعي؟ أم قفز في مساحة لا تخصني، وستُحسب عليّ لا لي؟

 

المفارقة المؤلمة أن كثيرًا من الناس لا يقيّمونك على نيتك الطيبة، بل على نتيجتك الملموسة. ولا يرون حدودك الشخصية، بل يتعاملون معك كأداة صالحة لكل استعمال. وهنا تبدأ المعضلة الحقيقية: حين تُلبّي طلبًا خارج نطاق دورك، فإنك لا تُقاس فيه بمعايير ذلك الدور الجديد فقط، بل تُعاد قراءة كل أدوارك السابقة من خلاله. خطأ صغير في مهمة ليست من صميم اختصاصك قد يُسقط، وبظلم، قيمة الدور الذي هو جوهر كيانك الحقيقي.

 

في بيئات العمل، يبدأ الأمر بطلب صغير "مؤقت"، ثم يتسع حتى يصبح الإنسان مطالبًا بأن يكون أكثر مما هو عليه، وأن يؤدي أدوارًا لا تمتّ بصلة إلى موقعه الأصلي. وما إن يقبل، حتى يجد نفسه محاصرًا بتقييم لا علاقة له بمهارته وجدارته الأساسية، بل بمدى نجاحه في لعب دور لم يُخلق له. فتضيع هويته بين المهام المتراكمة، ويختل الميزان: بدل أن يُقدَّر على ما يجيده، يُحاسَب على ما لا يجيده.

 

وهم "الجوكر": تعدد الأدوار بين التكريم والاستهلاك

 

نحن نعيش في زمن يُكافئ – ظاهريًا – ما يمكن تسميته بـ "شخصية الجوكر" أو صاحب الأدوار المتعددة؛ ذاك الشخص القادر على لعب أكثر من دور، والتدخل في أكثر من مساحة، والذي يُستدعى كلما ظهر فراغ أو استعصى حل. وهو ليس بالضرورة شخصًا عديم الكفاءة، بل غالبًا ما يكون متعدد القدرات، مرنًا، ومبادرًا.

 

غير أن هذا التكريم سريع الزوال، سرعان ما ينقلب إلى استهلاك صامت. فـ "الجوكر" لا يُنظر إليه بوصفه صاحب موقع محدد وقيمة مستقرة، بل بوصفه "حلًا جاهزًا". وحين يفشل الحل – وهو حتمًا سيفشل في بعض الأحيان لأنه يعمل خارج اختصاصه – يُنسى الجهد كله، وتبقى النتيجة السلبية وحدها شاهدة. الأكثر خطورة أن المؤسسات، في أوقات الأزمات، تستغني أولًا عن صاحب الأدوار المتعددة؛ لأنه بلا هوية ثابتة في أذهانهم، ولأن تعدد مهامه يجعله يبدو قابلًا للاستبدال بسهولة. إنه يشبه الماء: يأخذ شكل الإناء الذي يوضع فيه، لكنه لا يحتفظ بملامح ثابتة في ذاكرة من حوله.

 

الدرس العميق هنا: الناس لا يتذكرون كم أعطيت، بل يتذكرون أين أخطأت. ولا يسألون: "هل كان هذا من اختصاصه؟" بل يكتفون بالقول: "كان موجودًا، وكان عليه أن ينجح."

 

الحصانة الداخلية: ميزان القيمة بين القبول والرفض

 

من هذا المنطلق تنشأ الحاجة الملحة إلى حصانة داخلية. ليست هذه الحصانة جدارًا منيعًا من الرفض الجاف، بل وعيًا رفيعًا يجعل الإنسان يقف أمام كل طلب ويسأل نفسه، بميزان دقيق:

- هل يضيف هذا العمل قيمة حقيقية إلى مساري وهويتي؟

- هل يحفظ حدود دوري الأساسي، أم يخلق التباسًا يطمس صورتي؟

- هل أنسجم معه، أم سأكون مجرد أداة تؤدي وظيفة غريبة عنها؟

 

إن لم تكن الإجابات مؤكدة، فالاعتذار الواعي أولى. لأن قبول ما لا يشبهك هو باب مفتوح على مصراعيه للتقييم غير المنصف، ولتحمُّل تبعات نتائج ليست من صميم مسؤوليتك.

 

العطاء الحقيقي، إذن، لا يعني الذوبان ولا التنازل عن الهوية، ولا القبول الأعمى بكل ما يُلقى في طريقك باسم الطيبة. بل هو فعل واعٍ ومحسوب، يعرف متى يقول "نعم" بكل كرم، ومتى تكون كلمة "لا" هي أصدق أشكال الاحترام للذات وللعلاقة وللعمل نفسه. الرفض، في هذا السياق، ليس قسوة، بل حكمة مؤجلة: حماية للعلاقة من سوء التأويل، وحماية للذات من ظلم التقييم، وحماية للبيئة من الفوضى التي تنشأ حين تختلط الأدوار بلا ضابط.

 

السيادة تأتي من وعي الحدود، وليس من كثرتها

 

في النهاية، ليست القضية في عدد الأدوار التي تستطيع أن تلعبها، بل في الدور الذي يليق بك، ويحفظ مكانتك، ويضيف إلى حياتك معنى. الأم تُعطي بلا حساب لأنها تمارس دورًا وجوديًا محضًا، والمدير العام يخدم مؤسسته من موقع سلطة ومسؤولية واضحة. هذه النماذج السامية لا تُستنسخ في كل علاقة.

 

السيادة الحقيقية لا تأتي من كثرة الخدمة، بل من وعيها. من إدراك اللحظة التي تكون فيها اليد الممدودة فضيلة، وتلك التي يصبح فيها سحبها ضرورة للبقاء. من القدرة على حماية الذات دون أن نفقد إنسانيتنا، وعلى الاعتذار دون أن نشعر بذنب مزيف.

 

حين نُحسن اختيار أدوارنا، ونرفض بلباقة ما لا يشبهنا، نكون قد صُنّا المعنى أولًا. ومن صان المعنى بداخله، كان أقدر على العطاء الحقيقي، دون أن يُستنزف أو يُساء فهمه. فالحكمة ليست في أن تفعل الكثير، بل في أن تفعل ما يجب، بالقدر الذي يحفظ روحك من التشتت، ويحفظ صورتك من التشويه، ويحفظ عطاءك من أن يتحول إلى مجرد استهلاك.

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

غواية الحرف

  غواية الحرف   "هندسة المعنى في فضاء الأعمال"   في زحام مدينة لا تنام، حيث تتعانق أضواء الأبراج مع ظلال الطموحات، فيما يه...