الأربعاء، 11 فبراير 2026

غواية الحرف

 

غواية الحرف

 

"هندسة المعنى في فضاء الأعمال"

 




في زحام مدينة لا تنام، حيث تتعانق أضواء الأبراج مع ظلال الطموحات، فيما يهرع الناس كأنهم يطاردون أفضل نسخة من أنفسهم، وُلد سؤال لم يكن على جدول الأعمال. خلف باب لقاء مهني عابر، في قلب حديث عن التوسع والانتشار والاستراتيجيات، انفتح باب آخر أكثر عمقًا: باب الكلمة. لم يكن السؤال عن الأرقام ولا عن نسب النمو، بل عن تلك القوة الخفية التي تمنح الفكرة حياتها، وتجعلها قادرة على العبور من عقلٍ إلى عقل، ومن روحٍ إلى روح.

 

هناك أدركت أن كل انتشار يبدأ بجملة، وأن كل مشروع عظيم كان في لحظته الأولى معنىً يبحث عمّن يصوغه بصدق. فالكلمة ليست ظلّ الفكرة، بل جسدها المرئي. وإذا عجزنا عن التعبير، بقينا سجناء أفكارنا، نراها واضحة في داخلنا لكنها عاجزة عن أن ترى النور في الخارج. من هنا تبدأ الحكاية: من معضلة التعبير التي رافقتنا طويلًا، حتى ظنناها قدرًا لا يُراجع.

 

لقد تعلّمنا "الإنشاء" بوصفه واجبًا ثقيلًا، حصةً مدرسية تُؤدّى ثم تُنسى، غايتها القصوى عبور الاختبار بنجاح باهت. جُرّدت الكلمة من دفئها، وحُوِّلت الكتابة إلى تمرين آلي، إلى قوالب جاهزة تُملأ كما تُملأ الاستمارات. تعلمنا أن نكتب كي ننجو من سؤال المصحح، لا كي ننجو من صمتنا الداخلي. فخرجت الحروف مرتبة لكنها باردة، أنيقة لكنها بلا روح، كجنود يؤدون التحية بلا انفعال، أو كطيورٍ تعلّمت شكل السماء من الصور ولم تختبر اتساعها يومًا.

 

في تلك اللحظة التربوية المبكرة، حدث الانفصال الكبير بين العلامة والمهارة. صار الهدف لحظةً عابرة، لا عادةً متجذرة. حين يتعلم الإنسان لأجل الامتحان، فإنه يؤجل المصالحة الحقيقية مع المعرفة. يتحول العقل إلى مخزن مؤقت، وتتحول الكتابة إلى أداء موسمي. أما الديمومة المعرفية فهي شيء آخر؛ هي مهارة تسكن في الداخل، تنمو بصمت، وتكبر مع كل قراءة عميقة، وكل تجربة صادقة، وكل محاولة لقول ما لم يُقل من قبل.

 

المشكلة لم تكن يومًا في شح المفردات، بل في غياب المنهج الذي يحرر الذات من الخوف. خوف الخطأ، خوف الحكم، خوف ألا نبدو "جيدين بما يكفي". الكتابة الصادقة فعل شجاعة؛ لأنها تكشف صاحبها قبل أن تُقنع قارئها. حين نكتب بصدق، نحن لا نصوغ فكرة فحسب، بل نعلن حضورنا. نضع جزءًا منا في السطر، ونخاطر بأن يُرى كما هو، بلا أقنعة بلاغية زائفة.

 

فلسفيًا، التعبير هو التجسد الأسمى للوجود الإنساني. نحن لا نوجد فقط بما نفعل، بل بما نقول عمّا نفعل. اللغة ليست أداة نقل محايدة، بل فضاء تتشكل فيه الهوية. من لا يستطيع صياغة فكرته، يبقى حبيس شعورٍ غامض، كأن في داخله بحرًا لا يجد مجراه. والكتابة، حين تُفهم بهذا المعنى، ليست ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة وجودية؛ بها نعيد ترتيب فوضى الداخل، وبها نمنح تجاربنا معنىً يتجاوز لحظتها العابرة.

 

في عالم الأعمال، يبدو الحديث عن البيان كأنه شأن أدبي منفصل عن لغة السوق، لكن الحقيقة أن كل نجاح مستدام يبدأ بوضوح السرد. المشروع الذي لا يُحكى جيدًا لا يُفهم جيدًا، والذي لا يُفهم لا يُدعم ولا ينتشر. خلف كل عرض تقديمي ناجح قصة مُحكمة، وخلف كل علامة تجارية راسخة حكاية قادرة على لمس وجدان الناس. الأرقام تقنع العقل، لكن السرد يُحرّك الإرادة. والقرار في النهاية ليس عملية حسابية باردة، بل استجابة لمعنى مُقنع.

 

هنا يلتقي المشهد المهني بالبيان في نقطة جوهرية: القدرة على هندسة المعنى. فالتعبير الاحترافي ليس زخرفة لغوية، بل بناء جسر نفسي بين الرؤية وصاحب المصلحة، بين الفكرة والسوق، بين الحلم والواقع. القادة الذين يتركون أثرًا ليسوا الأكثر حديثًا، بل الأقدر على تكثيف رؤيتهم في كلمات واضحة، نابضة، صادقة. هم الذين يدركون أن اللغة ليست غلاف المشروع، بل بنيته الخفية.

 

لكن هذا التحول لا يحدث بقرار لحظي، بل بمسار طويل من المصالحة مع القراءة والكتابة. القراءة ليست جمعًا للمعلومات، بل توسيع لزوايا النظر. كل كتاب عميق يضيف نافذة، وكل نص جيد يدرّب الحساسية تجاه الإيقاع والمعنى. ومع الوقت، يتحول الحرف إلى رفيق يومي، لا إلى مهمة مؤجلة. نكتب لأننا نريد أن نفهم، لا لأن أحدًا طلب منا ذلك. نكتب لنختبر أفكارنا، لننقّحها، لنراها من الخارج كما يراها الآخرون.

 

وحين تتكرر هذه الممارسة، تتحول الكتابة من عبء إلى طقس. من واجب ثقيل إلى مساحة حرية. نكتشف أننا لم نكن نتعلم كيف نكوّن فقرة صحيحة فحسب، بل كيف نصير أنفسنا بوضوح أكبر. كل نص صادق يترك فينا أثرًا، يعيد تشكيلنا بصمت، ويقرّبنا خطوة من نسخةٍ أكثر وعيًا من ذواتنا.

 

غواية الحرف ليست نزوة لغوية عابرة، بل نداء داخلي خافت يقول: اكتب لتكون. اكتب لأن الصمت الطويل يبهت الملامح، ولأن الفكرة التي لا تُصاغ تذبل في الظل. حين تتحرر الكلمة من قفص العلامة، وتتحرر الروح من رهبة التقييم، يبدأ البيان الحقيقي. هناك، خارج أسوار الاختبار، يبدأ الامتحان الأصدق: أن نحيا ببيانٍ يشبهنا، وأن نصوغ رؤانا كما نصوغ مشاريعنا، بوعيٍ ومسؤولية وشغف.

 

وفي النهاية، نكتشف أن العالم لا يتغير فقط بالقرارات الكبرى، بل بالجمل الصادقة التي تسبقها. وأن كل أثر باقٍ كان في بدايته حرفًا آمن صاحبه بقوته. تلك هي غواية الحرف حين تتعلّم الروح أن تكتب؛ أن تتحول الكتابة من تمرين مدرسي إلى قدرٍ شخصي، ومن مهارة هامشية إلى قوة تصنع المعنى، وتبني الذات، وتفتح للإنسان فضاءً أوسع من كل قاعة اختبار، وأرحب من كل قيدٍ قديم.

 

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

غواية الحرف

  غواية الحرف   "هندسة المعنى في فضاء الأعمال"   في زحام مدينة لا تنام، حيث تتعانق أضواء الأبراج مع ظلال الطموحات، فيما يه...