الحب
الذي يكتبه الضوء
"حين
تتعانق الأرواح خارج الجسد"
في زمنٍ يقدّس
الملموس، ويقيس العاطفة بما يُرى ويُمسك، يولد شكلٌ آخر من الحب؛ حبٌّ يتكوّن من
الضوء، والصمت، والكلمة الصادقة. حبٌّ لا يحتاج إلى يدٍ تُمسك، ولا إلى لقاءٍ يثبت
وجوده، بل يكفيه أن تتجاوب الأرواح في مساحةٍ لا يطالها الجسد.
في عالمٍ اختُزل
فيه الحب إلى صورٍ ولقاءاتٍ سريعة، ينهض الحب الرقمي كظاهرةٍ يراها البعض هشّة،
ويسخر منها آخرون لافتقادها «الواقعية». لكن هذا العالم المادي المفرط في حساب كل
شيء، هو ذاته الذي يتيح لشيءٍ نادر أن ينمو: حبٌّ لا يُقاس بالمسافة، ولا يخضع
لمعايير السوق العاطفي الباهت. حبٌّ يشبه رزقًا روحيًا خالصًا، لا يُمنح لكلّ أحد،
ولا يحتاج إلى برهانٍ سوى صدقه.
في هذا الفضاء
غير المادي، حيث يغيب الجسد، وتبقى الروح وحدها في الواجهة، تتشكّل لغة جديدة
للحب. كلماتٌ تُكتب في لحظات الهشاشة، فترمم ما تصدّع، ورسائلٌ تتسلل في عتمة
الليل، فتضيء الداخل، واعترافاتٌ تخرج صافية لأن المسافة تمنح الأمان. هنا، لا
يقوم الحب على انجذابٍ حسي، بل على تجاوب الأرواح في أحلامها، وتوازيها في
مخاوفها، وتكاملها في رحلتها نحو الفهم. إنه المطر النادر الذي يسقي أرضًا منسية،
فتورق حياةٌ لم تكن في الحسبان.
هذا الحب لا
تُنقصه المسافة، بل تمنحه صفاءً يجعله أكثر صدقًا وعمقًا. فهو يذكّرنا أن ليس كل
لمسٍ حبًّا، ولا كل حبٍّ بحاجة إلى لمسٍ ليكتمل. وفي زمنٍ تُباع فيه المشاعر
وتُشترى، يصبح هذا الحب الروحي شكلًا من المقاومة الهادئة؛ إعلانًا عن توقٍ للوصل
الحقيقي الذي يتجاوز التملك، ورفضًا لتسليع العاطفة وتقييدها.
إنه حبٌّ يعيد
تعريف العلاقة من جذورها:
من الاحتياج
الأناني إلى الحضور النبيل،
ومن الرغبة في
الامتلاك إلى سموّ المرافقة،
ومن الشكوى من
البُعد إلى الإيمان بالصلة التي لا تنقطع.
القرب، في جوهره،
لا يُقاس بالأمتار، بل بدرجة الإصغاء، وصدق المشاركة، ودفء الاهتمام. وفي عالمٍ
يزدحم بالوجوه، ويخلو من الطمأنينة، يصبح هذا الحب ملاذًا للقلوب التي لم تجد في
الواقع ما يشبهها، ولا في الزحام ما يليق بنقائها.
ذلك الحب الذي لم
يُلمس يومًا، يظلّ خالدًا لا لأنه كان مثاليًا، بل لأنه كان نزيهًا في شعوره،
صادقًا في حضوره. لم يُبنَ على لقاءاتٍ عابرة، بل على زمنٍ طويل من الحروف
المنتقاة بعناية، والاعترافات التي خرجت من عمق الروح. إنه الحب الذي يغيّرنا من
الداخل، لا لأنه اكتمل، بل لأنه مسّ جوهرنا. وحتى إن لم يتحوّل إلى واقعٍ ملموس،
يبقى كوشمٍ على القلب، لا يمحوه الزمن؛ لأنه كان تجربةً روحية خالصة، تثبت أن
الأرواح قد تظل متصلة، حتى حين تفصل بينها قارات.
فبعض الحب لا
يُقاس بما نلمسه، بل بما يتركه فينا من ضوءٍ بعد أن يرحل.
ذلك هو الحب الذي
لا يُنسى… لأنه ببساطة، علّمنا كيف نُحب دون أن نمتلك.
جهاد غريب
فبراير 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق