الجمعة، 6 فبراير 2026

العنف الخفي: القتل الصامت للروح

 

العنف الخفي: القتل الصامت للروح

 

"حين يجرح الصمت أكثر من الصوت"

 




في العلاقات الإنسانية، قد يكون أخطر أنواع العنف هو ذاك الذي لا يُرى. عنف لا يترك أثرًا على الجلد، بل يترك ندوبًا في الروح. لا يحتاج إلى صراخ أو ضرب، بل يكتفي بنظرة باردة، أو كلمة “مهذبة”، تُفرغ المرأة من قيمتها، وتختزل أحلامها وكرامتها في جملة عابرة.

فالعنف الذي لا يُسمّى، يبقى أخطر من العنف الذي يُرى.

 

يبدأ هذا العنف حين تتحول المحادثات اليومية إلى ساحات منافسة، حيث تُحسب كل كلمة كأنها نقطة في صراع خفي. بدل أن يكون الحوار مساحة للتفاهم، يصبح اختبارًا للقوة. تُختزل مشاعر المرأة إلى “حساسية مفرطة”، وآلامها إلى “دراما”، فيغيب الدفء الإنساني، ليحل محله منطق بارد لا يرحم. حتى أعمق مشاعرها تُفكك وتُناقش كما لو كانت معادلة يمكن إعادة ترتيبها بلا رحمة، وكأن قلبها مجرد ملف قابل للمراجعة.

 

لكن العنف لا يتوقف عند الكلمات…

فحين يتحول الدعم المادي إلى أداة للسيطرة، يصبح المال قيدًا لا هدية. ما يُقدّم لها ليس عطاءً، بل دينًا عاطفيًا يُسدد بالصمت والطاعة. كل مساعدة تتحول إلى فاتورة، وكل دعم إلى تذكير بالامتنان الأبدي. وهكذا تُختزل العلاقة إلى معادلة تجارية، تفقد فيها المرأة حقها في الاعتراض أو المطالبة بكرامتها، خوفًا من سحب “الدعم” الذي صار سلاحًا.

 

وما هو أخطر من ذلك…

حين يُمارس هذا العنف باسم الثقافة والتقاليد. تُمنع المرأة من التعبير عن معاناتها بحجة “الحفاظ على شرف العائلة”، ويُطلب منها ابتلاع آلامها كي “لا تُحرج أحدًا”. وعندما تصل إلى حافة الانهيار، تبحث عن أذن تسمعها خارج محيطها: طبيب، صديقة، أو حتى غريب على الإنترنت. هي لا تطلب شفقة، بل اعترافًا بوجودها كإنسانة تستحق أن تُسمع.

 

وهذا العنف لا يقتصر على العلاقات العاطفية وحدها. قد يظهر بين أفراد الأسرة، في بيئة العمل، أو حتى بين الأصدقاء، حين تُستخدم الكلمات كأقفال، والصمت كجدار، والاهتمام المشروط كوسيلة لإخضاع الروح، بدل احتضانها.

 

في النهاية، العلاقات التي تفتقر إلى الدفء والإصغاء ليست سوى مساحات فارغة من المشاعر الحقيقية. والمرأة التي تتعرض لهذا النوع من العنف الخفي لا تحتاج إلى من يبرر لها ما يحدث، بل إلى من يسميه باسمه. فالعنف الذي لا يصرخ ليس أقل خطرًا من الذي يضرب، بل قد يكون أكثر فتكًا، لأنه يقتل الروح ببطء، دون أن يترك أثرًا مرئيًا للعيان.

 

ليس كل عنف يُرى بالعين؛ بعضه يزرع في القلب جروحًا لا تُشفى إلا بالاعتراف… والحرية.

 

 

جهاد غريب 

فبراير 2026

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ضرائب الوجود الأنثوي

  ضرائب الوجود الأنثوي   "امرأة تدفع ثمن الضوء"   في مجتمعاتٍ تتقن تجميل القسوة، وتغليف الظلم بورق المظاهر، تتحول المعاناة...