الانتهاك
والصمت: وجهان لجريمة واحدة
"أرواح
صغيرة تصرخ في الظل"
في مجتمعاتٍ تتخذ
من السمعة درعًا، ومن الصمت سلاحًا، تتحول الجريمة إلى سرٍّ مشاع، وتتحول الضحية
إلى متهمة، مطالبة بإثبات براءتها. الطفولة هنا لا تُعامل كقداسة، بل كوثيقة
جسدية، ويُختزل الألم في صمتٍ مطبق. فالطفلة التي تتعرض لانتهاكٍ لا تُرى كروحٍ
جريحة تحتاج إلى حماية، بل كعبء يجب إخفاؤه؛ وكأن جسدها الصغير صار حاملًا لعارٍ
لم تختَره، وشاهدًا على جريمة لا تملك اللغة لوصفها.
فالجريمة التي لا
تُقال، تبقى جريمة مستمرة.
يبدأ كل شيء بذلك
السرّ الذي يُزرع في عمق الطفولة. وجعٌ لا تملك له كلمات، لكنه يعرف طريقه إلى
الروح. تكبر الضحية وهي تحمل خوفًا غامضًا، وذنبًا لا تعرف مصدره. وعندما تكتسب
اللغة، وتجرؤ على البوح، لا تجد صدرًا حنونًا، بل جدارًا من الإنكار والتشكيك.
المجتمع الذي يفترض أن يحميها يتحول إلى قاضٍ يحاكمها، كأن مجرد الكلام عن الجريمة
جريمة أخرى. وهكذا تُعاقَب مرتين: مرة حين تُغتال طفولتها، ومرة حين تُدان على
جرأتها في فضح القبح.
لكن الألم لا
يتوقف هنا…
فصمت العائلة
يأتي كجريمة ثالثة؛ صمتٌ يختبئ وراء شعارات “الستر” و“الحفاظ على السمعة”. صمتٌ يختار
راحة الكبار على حساب براءة الصغار، ويقدّم التواطؤ باسم الحماية. يُطلب من الطفلة
أن تصمت، أن تتحمل ثقل الخطأ الذي لم ترتكبه، وأن تُدفن داخل خوفها كي لا تهتز
صورة العائلة أمام الناس. لكن هذا الصمت لا يصون الشرف، بل يدفن العدالة، ويحوّل
الطفولة إلى سجنٍ مفتوح لا يُرى؛ تسكنه أرواح صغيرة ما زالت تصرخ من وراء الجدران.
وما هو أشد قسوة…
حين يُجبر
المجتمع المرأة على أن تُثبت براءتها بجسدها، لا بصدقها. تُحوَّل العذرية إلى
وثيقة احتجاج، والجسد إلى سجلٍّ عام، وكأن الكرامة تُقاس بغشاء، لا بإنسانية.
تُنتزع منها خصوصيتها باسم “إثبات الحقيقة”، بينما الحقيقة الأعمق تُغتال: أن
العدالة لا تُولد من تحت مشرط، بل من ضميرٍ يفيق، ومن إيمانٍ بأن الألم لا
يُختلَق، وأن الطفولة لا تعرف الكذب.
هذه ليست قصة
طفلة واحدة، بل قصة مجتمعٍ يقدّس الصمت أكثر مما يقدّس الحقيقة؛ مجتمعٍ يخشى الفضيحة
أكثر مما يخشى الظلم، ويخاف من الكلام أكثر مما يخاف من الجريمة نفسها.
في النهاية،
العدالة الحقيقية لا تبدأ من جسدٍ يُفحص، بل من مجتمعٍ يُصغي بدل أن يُدين، ويصدّق
بدل أن يشكّ. حينها فقط يمكن للطفولة المغتالة أن تستعيد شيئًا من نورها،
وللإنسانية أن تعود إلى وجهها الحقيقي.
فالعار لا يسكن
جسد الضحية، بل في الصمت الذي يحمي الجاني.
وحين نكسر هذا
الصمت، نعيد للطفولة حقها في الضوء… وللعدالة معناها الإنساني الأصيل.
جهاد غريب
فبراير 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق