الجمعة، 6 فبراير 2026

ذاكرة لا تغفر: حين يتحوّل الماضي إلى دفتر ديون

 

ذاكرة لا تغفر: حين يتحوّل الماضي إلى دفتر ديون

 

"كيف يصبح الماضي سلاحًا يثقل الحاضر ويقيد العلاقات"

 




ليست الذاكرة دائمًا خزانًا للحنين، ولا سجلًا للجميل كما يُفترض لها أن تكون. أحيانًا تتحول إلى دفتر محاسبة، تُسجَّل فيه الأخطاء بدقة، ويُمحى منه كل ما عداها. تلك المفارقة القاسية التي تجعل من الماضي سيفًا يُشهر عند الحاجة، بدل أن يكون جسرًا للوصل. فالذاكرة، حين تُستخدم كسلاح، تفقد قدرتها على أن تكون وطنًا.

 

في لحظات الضعف، حين تطلب المرأة تفهّمًا أو سندًا، تنهض ذاكرة انتقائية تستحضر "الدين القديم". لا يُستدعى هذا الدين بدافع الامتنان، بل بنبرة محاسب يفتح دفاتره:

"هل نسيتِ ما فعلته لأجلك؟"

جملة كهذه لا تحمل أثر العطاء، بل رائحة السيطرة. العطاء الذي كان يفترض أن يكون حبًا، يتحول إلى ورقة ضغط، والذكرى التي كان يمكن أن تمنح دفئًا، تصبح وسيلة لإسكات الصوت.

 

والأقسى من ذلك هو اختزال تاريخٍ كامل من المواقف الجميلة في خطأ واحد. كأن العلاقة تُمحى كلها، ليبقى منها مشهد واحد، معادٌ ومكرور. يُنسى تسعة وتسعون موقفًا نبيلاً، ويُستحضر خطأ واحد يُلوَّح به في كل خلاف، وكأن الإنسان يُختزل في لحظة ضعف، لا في مسار حياة. هذه الذاكرة الانتقائية لا تبحث عن فهم، بل عن إدانة؛ لا عن مصالحة، بل عن إثبات تهمة مفترضة.

 

ولا يقتصر هذا التشويه على العلاقات العاطفية وحدها. فقد يظهر بين الأصدقاء، أو بين الآباء والأبناء، حين يتحول الماضي إلى دفتر ديون، وتتحول الذكريات إلى حجج تُستخدم لإخضاع الآخر، بدل احتضانه.

 

في النهاية، الذاكرة المسلحة لا تدمّر الحاضر فقط، بل تشوّه الماضي أيضًا. فهي تحوّل لحظات الصفاء إلى وقائع اتهام، وتحوّل ذكريات الحب إلى سجلات مظالم. العلاقة التي تُبنى على هذا النوع من الذاكرة تصبح سجنًا نفسيًا، يعيش فيه الإنسان مراقَبًا، محكومًا بأخطائه، مسجونًا في ذاكرة لا تنسى ولا تغفر.

 

أما الذاكرة الصحية، فهي التي ترى الإنسان في كليته:

تتذكر الأخطاء لتسامحها،

وتحتفظ بالجميل لتبني عليه،

لا لتطالبه به.

 

فالذاكرة ليست سيفًا لتقطيع الحاضر، بل جسرًا للصفح والنمو.

احرص أن تحفظ الجميل… قبل أن يضيع بين دفاتر الماضي.

 

 

جهاد غريب 

فبراير 2026

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ضرائب الوجود الأنثوي

  ضرائب الوجود الأنثوي   "امرأة تدفع ثمن الضوء"   في مجتمعاتٍ تتقن تجميل القسوة، وتغليف الظلم بورق المظاهر، تتحول المعاناة...