السبت، 14 فبراير 2026

هدنة مع الزمن

 

هدنة مع الزمن

 

"مقام العابر المقيم"

 



 

ليس الانتظار فراغًا يتدلّى بين حدثين، ولا مساحة عابرة نملؤها ريثما يصل ما نترقّبه. في هذا المقام، الانتظار كيان كامل، زمن قائم بذاته، لحظة يخلع فيها الوجود حركته الصاخبة ويتحوّل إلى سكون كثيف. هو الكون حين يهدأ قليلًا، والزمن حين يتخفّف من ثقل الساعات ويرتدي رداءً من ضباب. أن تنتظر هنا لا يعني أنك مؤقت، بل أنك بلغت مكانك الأعمق، استقررت في اللحظة كما يستقر حجر في قاع النهر؛ يمر الماء حوله بلا توقف، تعبر فوقه الحياة، وهو هناك، ثابت في صمته، شاهد على الجريان دون أن يشارك فيه.

 

الصبر المصقول لا يتعلّق بشيء.

إنه صبر بلا موضوع، بلا غاية خارج ذاته، يشبه مرآة تنتظر وجهًا لا تعرف ملامحه. لا تسأل متى يجيء، ولا من أي جهة، تظل صافية لأنها خُلقت للانتظار نفسه. في هذا المستوى، يتحوّل الصبر من فضيلة أخلاقية إلى حالة وجودية، من سلوك نمارسه إلى مقام نقيم فيه. صبر لا يحتمل الغياب، بل يصنع حضورًا مكتفيًا، صبر يتأمل نفسه في مرآة الوقت، ويرى في ذلك التأمل شكلًا من أشكال الخلود.

 

تعلمنا منذ البداية أن الزمن عدو.

علمتنا الساعات ذلك وهي تضرب إيقاعها على صدورنا، علمتنا الأيام وهي تنفلت من بين أيدينا كالرمل. كنا نعدّ الدقائق كما يعدّ الأسير علامات الجدار، نرى في كل دقيقة تمضي نقصًا، وفي كل ساعة خسارة. لكن في مقام الانتظار، نوقّع هدنة مع هذا العدو المفترض. نخلع سلاح الاستعجال، نضع جانبًا خوف التأخر، ونجلس في منتصف اللحظة بلا مقاومة. هناك نكتشف أن الزمن لم يكن خصمًا، بل معلّمًا متنكرًا، صديقًا قاسي الملامح، كان ينتظر منا أن نتوقف عن مطاردته لنراه.

 

حين تكفّ عن مصارعة اللحظة،

حين ترفض أن تكون في سباق دائم مع عقارب الساعة، تبدأ الأشياء في الظهور على مهل. ترى الضوء وهو يتحرّك ببطء على الجدران، تتابع الغبار وهو يسبح في شعاع الشمس، تصغي إلى قلبك كأنك تسمعه للمرة الأولى. في هذا الصفاء الذي يسبق التجلي، تستعيد الأشياء حقيقتها الأولى. لا تعود أدوات ولا خلفيات، بل تصير علامات، أيقونات صغيرة في معبد الوجود. اللحظة لا تمرّ، بل تقيم، تتسع، تسكن الروح كما تسكن المياه بحيرة لا ضفاف لها.

 

الوقوف على العتبة أخطر موضع يمكن أن يسكنه إنسان.

أنت لست في الداخل فتطمئن، ولا في الخارج فتتحرر، أنت في المسافة بينهما، في منطقة اللاقرار، حيث يتقاطع الماضي والمستقبل دون أن يهيمن أحدهما. هنا تتلاشى الخطوتان: التي جاءت بك، والتي ستأخذك، وتبقى معلقًا في فراغ لا جاذبية فيه سوى جاذبية التأمل. هذا التعليق ليس نقصًا، بل احتمالًا خالصًا.

 

في هذا التعليق، يكتشف المرء مفارقة عميقة:

أن عدم الاستقرار قد يكون أكثر ثباتًا من الثبات نفسه. أن العبور يمكن أن يتحول إلى إقامة. هنا تبني بيوتًا من هواء، وتزرع حدائق في الضباب، وتنجب أحلامًا لا تحتاج إلى مستقبل كي تعيش. في هذا الموضع تكون أكثر صدقًا، لأنك لست مضطرًا لأن تكون شيئًا محددًا. يمكنك أن تكون كل ما يمكن أن يكون، دون أن تختار.

 

أتأمل امرأة تقف على عتبة بيت قديم.

لا أعرف ما الذي تنتظره، ولا يهم. انتظارها ليس موجّهًا، بل متجسّد. يسكن عينيها، يبطئ حركتها، يجعل من وقوفها إقامة طويلة. هي لا تتحرك، لكنها في سفر دائم. يمر الناس أمامها دون أن تراهم، تمر الساعات دون أن تشعر بها. هي في زمن آخر، زمن لا يُقاس بالدقائق بل بالأنفاس، لا يُحسب بل يُعاش.

 

الهدنة مع الزمن تعني أن نعيد تعريفه.

أن نخرجه من كونه مقياسًا كميًا، ونعيده إلى طبيعته النوعية. الزمن هنا ليس قبلًا وبعدًا، بل عمقًا واتساعًا. ليس خطًا يمتد، بل نقطة تتسع حتى تشمل الكون كله. في هذه الهدنة، يتحول الزمن من سجان إلى رفيق، من قوة تسلب إلى قوة ترعى، من نهر يجرفنا إلى بحر يحملنا على سطحه، طافين، مطمئنين، لا نعرف الوجهة لكننا نثق في الرحلة.

 

الصفاء الذي يسبق التجلي ليس فراغًا.

إنه امتلاء كثيف، يشبه السماء قبل المطر، الجسد قبل الولادة، العاشق قبل اللقاء. لحظة الحمل الأبدي، لحظة الصفر التي تسبق الواحد، الصمت الذي يسبق الكلمة. في هذا الصفاء نكون في أقصى درجات الحضور، لأننا حاضرون لما لم يأت بعد، نعيش المستقبل كإمكانية نابضة، ونحتضن الغياب كما لو كان بين أيدينا.

 

أقسى أشكال الانتظار أن تنتظر ما تعرف أنه لن يأتي،

ومع ذلك تبقى. أن تعرف أن العتبة لا تؤدي إلى باب، ومع ذلك تقيم عليها. هنا يبلغ الانتظار صفاءه الأعلى، يصير انتظارًا بلا موضوع، انتظارًا ينتظر نفسه. طقسًا يوميًا، صلاة بلا مخاطَب، حبًا بلا معشوق. في هذا المستوى، يصير اللاشيء كل شيء، ويتجلى الوجود في صورته الأكثر تجريدًا.

 

في مقام الانتظار هذا، أتعلم من الشجرة.

لا تسأل متى يأتي الربيع، ولا تتحسر على الخريف. جذورها في الأرض، وأغصانها في السماء، تنتظر لأن الانتظار طبيعتها، لأن الوقوف بين الأرض والسماء هو موطنها الأزلي. وأتعلم أن الزمن لم يكن عدوًا، بل كان ينتظر مني أن أراه، أن أمدّ له يدي لا لأصارعه، بل لأصافحه.

 

الهدنة تمت.

أنا والزمن نجلس الآن في مقهى الذاكرة، نشرب الشاي ببطء، لا نستعجل شيئًا ولا نخشى فوات شيء. الساعة على الحائط صامتة، لأن الدق صار في الداخل، في القلوب التي تعرف كيف تنتظر بلا انتظار، في الأنفاس التي تتعاقب كالأمواج، وفي العيون التي تحدّق في أفق لا يأتي منه شيء… لأن كل شيء حاضر منذ الأزل.

 

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

غفران: عن الستر الذي يأتي بعد الجرح، وعن القوة التي لا تُرى

  غفران   "عن الستر الذي يأتي بعد الجرح، وعن القوة التي لا تُرى"   الغفران ليس كلمة تُقال، ولا قرارًا يُتخذ في لحظة صفاء. ...