هل النضج مسألة عمر… أم مسألة وعي؟
"لماذا لا تكفي السنوات وحدها لصنع
إنسان قادر على الاختيار؟"
كثيرًا ما نخلط بين النضج والعمر، كأن السنوات التي تمر فوق
رؤوسنا قادرة وحدها على أن تُهذّبنا، أو تُعلّمنا، أو تجعلنا أقدر على اتخاذ
قرارات مصيرية. نسأل: "كم عمرك؟" ثم نبني على الرقم توقعات كاملة عن وعي
الإنسان، وقدرته على الفهم، وتحمله للمسؤولية. لكن التجربة - لا النظريات - تقول
شيئًا آخر.
النضج لا يُقاس بعدد الأعياد التي احتفلنا بها، بل بعدد المرات
التي اضطررنا فيها إلى مواجهة أنفسنا بصدق. هناك من يبلغ الأربعين وما زال يهرب من
قراراته، ومن يتجاوز الخمسين وما زال يحمّل الآخرين مسؤولية حياته. وفي المقابل،
هناك من يكتسب وعيًا مبكرًا لأنه أُجبر على الفهم، لا لأن الزمن منحه ذلك بسخاء.
الوعي ليس معرفة نظرية، بل قدرة على الربط. أن ترى العلاقة بين
ما تشعر به وما تفعله، بين رغباتك وعواقبها، بين ما تتمنى أن تكونه وما أنت مستعد
فعليًا لتحمله. الناضج ليس من لا يخطئ، بل من يفهم لماذا أخطأ، وما الثمن الذي
دفعه، وما الذي لا يريد تكراره.
وعند أول اختبار حقيقي… غالبًا ما يظهر الفرق بين العمر والنضج
عند أول مفترق حقيقي: قرار ارتباط، تغيير مسار مهني، مواجهة خسارة، أو تحمّل
مسؤولية إنسان آخر. هنا، يتقدم العمر خطوة إلى الخلف، ويتقدم الوعي - أو غيابه -
إلى الواجهة. بعض القرارات تبدو شجاعة، لكنها في الحقيقة اندفاع غير محسوب. وبعض
التريث يبدو خوفًا، لكنه في جوهره فهم عميق للذات وحدودها.
المشكلة أن المجتمع يمارس ضغطًا صامتًا: "كبرت بما
يكفي"، "حان الوقت"، "كل من هم في عمرك فعلوا كذا". هذا
الضغط قد يدفع أشخاصًا غير مستعدين إلى اتخاذ قرارات أكبر من قدرتهم، لا لأنهم
جاهزون، بل لأنهم لا يريدون أن يبدوا متأخرين. وهنا تبدأ سلسلة من الالتزامات التي
تُدار بالإنكار بدل الوعي.
النضج الحقيقي يظهر في القدرة على قول "لا أعلم
بعد"، دون شعور بالخجل. في الاعتراف بالحاجة إلى وقت إضافي، أو دعم، أو
مراجعة داخلية. غير الناضج يخشى هذا الاعتراف، لأنه يربط قيمته بمدى تقدمه
الظاهري، لا بسلامته الداخلية.
وحين يُمنح غير الناضج قرارًا مصيريًا، غالبًا ما يتعامل معه
كوسيلة لإثبات شيء ما: إثبات الرجولة، أو الاستقلال، أو القدرة، أو النجاح أمام
الآخرين. القرار يصبح رسالة، لا اختيارًا. بينما الناضج يتعامل مع القرار كمسؤولية
صامتة، لا تحتاج إلى تصفيق.
الوعي لا يأتي فجأة، ولا يُدرَّس كما تُدرَّس المواد. إنه
يتشكل عبر الاحتكاك الصادق بالحياة، وعبر لحظات الفشل التي لم نتهرب من فهمها،
وعبر الأسئلة التي سمحنا لها أن تبقى مفتوحة داخلنا بدل إسكاتها بإجابات سريعة.
لذلك، لا عيب في العمر، ولا فضيلة فيه بذاته. الفضيلة فيما فعله الإنسان بعمره.
ربما لهذا السبب نشعر أحيانًا بعدم الارتياح أمام أشخاص
"أكبر سنًا" لكنهم أقل اتزانًا، وأمام آخرين أصغر عمرًا لكنهم أكثر
حضورًا وهدوءًا. ليس لأن العمر خدعة، بل لأننا اعتدنا أن نطلب منه ما لا يملكه.
النضج ليس محطة نصل إليها، بل طريقة نسير بها. ليس لقبًا
نعلّقه على أعمارنا، بل سلوكًا يظهر في التفاصيل الصغيرة: كيف نختلف، كيف نعتذر،
كيف نختار، وكيف نتحمل نتائج اختياراتنا دون تحميلها لغيرنا.
وحين نفهم ذلك، نكفّ عن السؤال: "هل كبرت بما يكفي؟"
ونبدأ بسؤال أصدق: "هل صرت أعي نفسي أكثر مما كنت؟"
جهاد غريب
يناير 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق