هل نمنع أبناءنا… أم نرافقهم؟
"التوازن بين الحزم والاحتواء في
التربية"
هذا السؤال لا يُطرح عادة في لحظة هدوء، بل في ذروة القلق. حين
يشعر الأهل أن أبناءهم يقتربون من قرار قد يغير حياتهم، يتأرجحون بين خيارين يبدو
كل منهما ناقصًا: المنع الصارم، أو القبول القلق.
المنع يمنح شعورًا مؤقتًا بالسيطرة، لكنه لا يمنح الطمأنينة.
لأن القرارات المؤجلة بالقوة لا تختفي، بل تنتظر فرصة أخرى للظهور. أما المرافقة،
فهي خيار أكثر تعقيدًا، لأنها تتطلب حضورًا دائمًا، وحوارًا مستمرًا، وقدرة على
تحمل الغموض.
المرافقة لا تعني التخلي عن الدور التوجيهي، بل تعني ممارسته
من الداخل. أن يكون الأهل جزءًا من المسار، لا جدارًا في وجهه. أن تُطرح الأسئلة
بدل إصدار الأحكام. أن تُناقش المخاوف دون تهديد.
لكن المرافقة، لكي تكون فعالة، تحتاج إلى وضوح. لا يمكن أن
تكون مجرد صداقة عاطفية، بل علاقة قائمة على حدود ومعايير. الأبناء يحتاجون إلى من
يسمعهم، لكنهم يحتاجون أيضًا إلى من يضع النقاط على الحروف، ويُظهر لهم ما قد لا
يرغبون في رؤيته.
الخطر في المنع المطلق أنه يُفقد الأهل قدرتهم على التأثير
لاحقًا. والخطر في المرافقة غير المنضبطة أنها قد تُفهم كضوء أخضر لكل شيء.
التوازن الدقيق يكمن في الجمع بين الصدق والحضور، بين الحزم والاحتواء.
حين يشعر الأبناء أن الأهل لا يرفضونهم، بل يناقشون الفكرة،
تقل الحاجة إلى التمرد. وحين يُدركون أن القبول ليس مجانيًا، بل مشروط بالقدرة
والجاهزية، يبدأ الوعي في التشكل.
السؤال الحقيقي ليس: هل نمنع أم نرافق؟
بل: كيف نمنع دون قطيعة، وكيف نرافق دون تفريط؟
إدارة هذا التوازن ليست سهلة، لكنها تحدد ما إذا كانت الأسرة
ستكون ساحة صراع… أم مساحة أمان تسمح بالنمو دون السقوط.
جهاد
غريب
يناير
2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق