لماذا يبدو الأب قاسيًا بينما هو خائف؟
"الخوف الأبوي… الوجه غير المرئي
للحكمة"
غالبًا ما يُساء فهم موقف الأب في القضايا المصيرية. يُنظر إلى
تردده على أنه قسوة، وإلى تحفظه على أنه تعقيد، وإلى أسئلته الكثيرة على أنها عدم
ثقة. لكن خلف هذا الموقف، في كثير من الأحيان، يقف شيء أبسط وأعمق مما نتصور:
الخوف.
الأب لا يخاف من اللحظة، بل مما بعدها. لا ينظر إلى القرار كما
يُرى الآن، بل كما سيُعاش بعد سنوات. خبرته بالحياة، بما فيها من خيبات غير
متوقعة، تجعله يرى ما لا يراه من لم يمر بتجارب مماثلة. لذلك يبدو أحيانًا وكأنه
يقف في وجه الفرح، بينما هو في الحقيقة يقف أمام المجهول.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن الخوف الأبوي يحمل طبقات متعددة. الخوف
الأبوي ليس عاطفيًا بالمعنى السطحي، بل حسابي. هو خوف على الاستقرار، على الكرامة،
على ألا يُحمَّل الابن أو الابنة ما لا يحتملانه. لهذا، يكثر الأب من الأسئلة: هل
هذا الشخص قادر؟ هل هذا القرار مدروس؟ هل هناك خطة إن فشل السيناريو المثالي؟
المشكلة أن هذا النوع من الخوف لا يُترجم دائمًا بلغة لينة. قد
يظهر في صورة صرامة، أو صمت، أو رفض مبهم. وهنا يحدث سوء الفهم. يُفسر الموقف على
أنه سلطة، بينما هو في جوهره مسؤولية ثقيلة يشعر الأب أنه سيُسأل عنها أخلاقيًا
وإنسانيًا.
الأب يرى نفسه، في كثير من الأحيان، آخر خط دفاع. إذا فشل
القرار، سيُقال إنه وافق. وإذا نجح، لن يُذكر دوره. ومع ذلك، يُطلب منه أن يغامر
بثقة كاملة. هذا التناقض وحده كافٍ ليجعله أكثر حذرًا مما يبدو منطقيًا للآخرين.
ليس كل خوف حكمة، لكن كثيرًا من الحكمة تبدأ بالخوف. والخطأ لا
يكون في التحفظ ذاته، بل في عدم القدرة على شرحه، أو في تحويله إلى قطيعة بدل أن
يكون حوارًا. الأب حين يُشرك الآخرين في منطقه، لا في قراره فقط، يتحول من
عائق إلى سند.
وفي النهاية، يبقى الفهم هو ما يحدد شكل العلاقة: هل يمكننا
قراءة مخاوف الأب بعين الحكمة بدل التسرع بالحكم على تحفظه؟ أم أن فهمه سيظل
دائمًا محكومًا بالغموض؟
جهاد
غريب
يناير
2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق