الجمعة، 30 يناير 2026

لماذا تبدو الأم متساهلة بينما هي الأكثر وعيًا؟

 

لماذا تبدو الأم متساهلة بينما هي الأكثر وعيًا؟

 

"حكمة الأم… الوجه غير المرئي للانضباط"

 




المنع الصارم: لا يُنهي الرغبة بل يدفعها للخفاء.

المرافقة: ليست موافقة، بل إدارة للموقف من الداخل.

الحضور الواعي: هو الأمان الحقيقي حين تكون السيطرة وهمًا.

 

إذا كان خوف الأب يُساء فهمه على أنه قسوة، فإن مرونة الأم تُساء قراءتها غالبًا على أنها تهاون. الأم التي تختار المرافقة بدل المنع، والحوار بدل الإغلاق، لا تفعل ذلك لأنها أقل حرصًا، بل لأنها تقرأ النفس البشرية بعمق مختلف.

 

الأم، بحكم قربها العاطفي، تدرك أن المنع الصارم لا يُنهي الرغبة، بل يدفعها إلى الخفاء. وتعرف أن الصدام المباشر مع المشاعر، خاصة في مراحل التكوين، قد يؤدي إلى نتائج عكسية. لذلك تختار أحيانًا أن تكون داخل المشهد بدل أن تُقصى عنه.

 

هذه الاستراتيجية لا تعني الموافقة المطلقة، ولا التخلي عن المعايير. بل تعني إدارة الموقف من الداخل. أن تبقي الخيط في يدها، تراقب، توجه، تضع شروطًا، وتختبر الجدية على مهل. الأم لا تُغامر، لكنها لا تُغلق الأبواب قبل أن تفهم المشهد.

 

المشكلة أن هذا الدور يتطلب توازنًا دقيقًا. فالمرافقة دون وضوح قد تتحول إلى التباس، والمرونة دون حدود قد تُفهم كضوء أخضر. وكلمة لطيفة قد تُفهم كتشجيع، وصمت قصير قد يُقرأ كقبول.

 

لذلك فإن حكمة الأم الحقيقية لا تظهر في قربها فقط، بل في قدرتها على الجمع بين الاحتواء والحزم، وفي حرصها على أن تكون هذه المرونة "خطة مشتركة" مع الأب، لا ثغرة يتسلل منها الأبناء للهروب من سلطته؛ لكي لا ينقسم البيت إلى جبهتين: قسوة تمنع، ولين يبرر.

 

الأم ترى الخطر القريب: الوحدة، الفراغ العاطفي، الحاجة إلى من يصغي. وتدرك أن تجاهل هذه الاحتياجات قد يكون أخطر من القرار نفسه. لذلك تحاول أن تحمي دون أن تخنق، وأن توجه دون أن تصادر.

 

وعندما ننظر إلى الصورة كاملة… حين يلتقي خوف الأب بحكمة الأم، يمكن أن يتشكل توازن صحي. الأب يحرس المستقبل، والأم تحمي الحاضر. الأب يضع الأسئلة الصعبة، والأم تدير الواقع النفسي. المشكلة لا تكون في أحدهما، بل حين يعمل كل منهما بمعزل عن الآخر.

 

الفهم الحقيقي لدور الأم لا يكون باتهامها بالتساهل، بل برؤية تعقيد موقعها. فهي لا تختار الطريق الأسهل، بل الطريق الأكثر حساسية. طريق يعرف أن السيطرة المطلقة وهم، وأن الحضور الواعي أحيانًا هو أفضل ما يمكن تقديمه.

 

وفي النهاية، يبقى تقدير هذا الدور مرهونًا بوعي من حولها… قد يكون حضور الأم المتوازن هو ما يمنح الأسرة القدرة على النمو والمرونة، لكن السؤال: هل يقدّر الجميع هذا التوازن كما ينبغي؟ أم يظل خفيًا حتى بالنسبة لأولئك الذين يعيشون معه؟

 

 

جهاد غريب

يناير 2026

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

هل يمكن للوضوح أن يعيش مع الأمل؟

  هل يمكن للوضوح أن يعيش مع الأمل؟   "الشروط ليست قيودًا، بل أدوات لحماية وضوح الطريق والعلاقة"   الحديث عن الشروط غالبًا ...