"عن الكائن
الثالث الذي يقف بين العطاء ومعناه"
في كل عملية عطاء، هناك احتمال دائم لظهور
طرف ثالث. ليس المعطي، ولا المتلقي، بل ذلك الذي يقف بينهما لسبب ما: ينقل، يرتب،
ينسق، يفتح الطريق أو يغلقه. قد يكون شخصًا، وقد يكون مؤسسة، وقد يكون مجرد قناة
تمر عبرها الأشياء من يد إلى أخرى. وفي صورتها المثالية، تبدو هذه الوساطة عملًا
شفافًا ونبيلًا؛ مجرد جسر لا أكثر، يؤدي وظيفته ثم يختفي.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا من هذه الصورة
البسيطة. فالإنسان، مهما حاول، لا ينقل الأشياء وحدها، بل ينقل معها ظله أيضًا.
يحمل أحكامه، فضوله، حاجته إلى الشعور بالأهمية، ورغبته الخفية في ألا يكون مجرد
عابر صامت داخل الحكاية. وهنا تبدأ الوساطة بالتحول من خدمة هادئة إلى مساحة نفوذ
غير معلنة.
في البداية، يكون الدور واضحًا وبسيطًا:
إيصال شيء من شخص إلى آخر. لكن شيئًا خفيًا يحدث مع الوقت. يكتشف الوسيط أن وجوده
يمنحه سلطة غير مرئية. لم يعد مجرد ممر، بل صار قادرًا على التأخير أو التسريع،
على التفسير أو الحجب، على تمرير الأشياء كما هي أو إعادة تشكيلها قبل وصولها. ومع
هذا الاكتشاف، يتغير موقعه النفسي داخل المشهد. لم يعد يشعر بأنه ناقل، بل بوابة.
والفرق بين الاثنين هائل. الممر لا يختار
ما يعبر خلاله، أما البوابة فتقرر من يدخل ومن يُمنع. الممر لا يعلّق على ما
ينقله، بينما البوابة تملك حق السؤال والتقييم والتدخل. وحين يتحول الإنسان من
مجرد وسيط إلى بوابة، يبدأ العطاء بفقدان بساطته الأولى.
المشكلة الأعمق لا تبدأ عند التحكم، بل
عند التفسير الأخلاقي. حين يشعر الوسيط أن من حقه أن يفتش في النوايا، وأن يقيّم
الدوافع، وأن يمنح لنفسه سلطة الحكم على العلاقات الإنسانية التي تمر عبره. هنا لا
يعود السؤال إداريًا أو تنظيميًا، بل يتحول إلى نوع من الوصاية الخفية. يصبح
العطاء وكأنه ملف يحتاج إلى تدقيق، وكأن كل مبادرة يجب أن تمر عبر محكمة غير معلنة
قبل أن تصل إلى وجهتها.
في هذه اللحظة تحديدًا، يفقد العطاء شيئًا
من نقائه. لأن الفعل الإنساني البسيط، حين يُحاصر بالتحليل المفرط، يبدأ
بالاختناق. تتكاثر الأسئلة حوله: لماذا حدث؟ ما الدافع الحقيقي؟ ماذا يريد صاحب
المبادرة؟ هل وراء الأمر مصلحة خفية؟ ومع كل سؤال إضافي، يبتعد الفعل عن معناه
الأول، حتى يصل إلى المتلقي وقد التصقت به ظلال لم تكن جزءًا منه أصلًا.
الأمر يشبه رسالة شخصية فُتحت قبل وصولها.
قد تصل الكلمات كاملة، لكن الإحساس الذي كان يسكنها يكون قد تبدد. فبعض الأشياء لا
يفسدها التغيير المباشر، بل يفسدها مجرد التطفل عليها.
واللافت أن كثيرًا من الوسطاء لا يدركون
أنهم يفعلون ذلك. يظنون أنهم يمارسون دورًا طبيعيًا، أو أنهم يحاولون حماية
الجميع، بينما هم في الحقيقة يضيفون أنفسهم إلى مشهد لا يحتاج إلى حضورهم بهذا
الحجم. فليست كل معرفة ضرورة، وليست كل أسئلة الفضول دليلًا على الحكمة.
الحياة اليومية جعلت الوساطة جزءًا من
نسيجها. هناك دائمًا من ينسق، ومن يربط، ومن يتحكم في الوصول، ومن يملك حق المرور.
لكن قيمة الوسيط الحقيقية لا تظهر في مقدار حضوره، بل في قدرته على التراجع خطوة
إلى الخلف. في أن يفهم أن بعض الأدوار تزداد نبلًا كلما أصبحت أقل ظهورًا.
ثمة فرق كبير بين من يريد أن يساعد، ومن
يريد أن يشعر بأنه محور المساعدة. الأول ينجز دوره ثم يختفي بهدوء، أما الثاني
فيحتاج دائمًا إلى أن يترك بصمته على كل شيء يمر من خلاله، حتى لو شوّه المعنى
الأصلي دون أن ينتبه.
ولعل أصعب امتحان للوسيط هو أن يقاوم
إغراء السلطة الناعمة. سلطة السؤال، والتفسير، وإعادة تعريف العلاقات بين الناس.
أن يفهم أن وجوده ضرورة أحيانًا، لكنه ليس مركز الحكاية. وأن أعظم أشكال الوساطة
هي تلك التي تنجح في أداء دورها دون أن تثقل العطاء بظلها. وهذا هو سر الوسيط
النبيل: أن يمر كالهواء، لا يرى ولا يسأل.
جهاد
غريب
مايو
2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق